هِجرة النّبي عليه الصّلاة والسّلام من مَكة إلى المدينة

لتنزيل الموثيقة الخاصة بدراسة هِجرة النّبي عليه الصّلاة والسّلام اضغط هنا

(13)

هِجرة النّبي عليه الصّلاة والسّلام

من مَكة إلى المدينة

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه، الذي وفق أهـل طاعته بما يرضاه، وخذل أهل معصيته، فاستحوذ عليهم الشيطان، وحبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأنساهم ذكر الله. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ.

أما بعد: فإن الله سبحانه بعث نبيه محمدًا ﷺ على حين فترة من الرسل، وقد استحكمت في الناس الضلالة، وخيمت عليهم الجهالة، وسادت من بينهم عبادة الأصنام والأوثان والقبور. فأنقذهم الله ببعثته، وبركة رسالته، فجاء بدين كامل، وشرع شامل، صالح لكل زمان ومكان، قد نظم حياة الناس أحسن نظام؛ يهذب أخلاقهم، ويطهر عقائدهم، ويزيل كفرهم وشقاقهم، ويهديهم للتي هي أقوم. وقد لقي رسول الله ﷺ الشيء العظيم من المشاق والمتاعب في سبيل دعوته إلى دين ربه كحالة الأنبياء من قبله، يقول الله سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ *}([1]).

إن المكارم منوطة بالمكاره، وإن السعادة لا يُعبَر إليها إلا على جسر المشقة والتعب، وأخبر النبي ﷺ أن الأنبياء هم أشد الناس بلاء، فقال: «لقد أوذيت في الله وما يُؤذَى أحدٌ، وأُخِفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال»([2]).

إن الله سبحانه لما اصطفى نبيه محمدًا ﷺ برسالته وامتن على عباده المؤمنين ببعثته، أي بداية نبوته، أنزل الله عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *}([3]). فهذا هو ابتداء بعثته، وذلك بعد ولادته بأربعين سنة، فالفضل كل الفضل في بعثته التي قال الله فيها: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *}([4]). أي أن العرب قبل بعثة محمد ﷺ كانوا في شر وشقاء وضلالة عمياء.

ولما أنزل الله عليه {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ *قُمْ فَأَنْذِرْ *وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ *وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ *}([5]). شمر رسول الله ﷺ عن ساعد الجد، وأعلن دعوته، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو بين القبائل وفي المواسم، ويقول: «أنا محمد رسول الله. من يُؤويني؟ من ينصرني حتى أُبلغ رسالة ربي؟»([6]). فيلقى من قومه أشد الأذى، ويعذبون كل من آمن به، غير أن من قبيلته وخاصة عمه – أبا طالب – كانوا يحمونه ويذبون عنه العدوان، وقد دخلوا معه في الشعب حين تمالأت قريش على مقاطعتهم حتى يسلموا لهم محمدًا، وكتبوا بذلك صحيفة القطيعة والمقاطعة، وعلقوها على الكعبة، وفيها يقول أبو طالب في قصيدته الشهيرة:

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجل غير آجل

وقد أخبره ورقة بن نوفل بمقتضى فراسته بأنه سيُؤذى ويُمتحن، ويخرج من بلده، فقال: «أومُخرجِيَّ هم من بلدي؟» قال: نعم، إنه لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عُودي وأُوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي.([7])

ثم توفيت خديجة، وكانت تنفق على رسول الله ﷺ من مالها، ثم توفي أبو طالب، شيخ قريش وسيدهم، وكان يحب رسول الله ﷺ أشد الحب ويحميه وينصره، وكانت قريش تتحاشى من أذى الرسول ﷺ خشية أن يغضب أبو طالب فيُسلِم.

ولما توفي أبو طالب اشتد الأذى برسول الله ﷺ وبمن آمن به، وخاصة المستضعفين من أصحابه كبلال وصهيب وسمية. فأمر رسول الله ﷺ أصحابه بأن يهاجروا إلى الحبشة. وقال: «إن فيها ملكًا لا يُظلَم أحد بجواره»([8]).

فهاجر إلى الحبشة جماعة من الصحابة، رجال ونساء، فرارًا بدينهم من الفتنة، وبأبدانهم من التعذيب، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وجعفر بن أبي طالب، فخرجوا من مكة يمشون على أرجلهم حتى وصلوا إلى سِيف البحر،([9]) فاستأجروا سفينة وركبوا فيها حتى انتهوا إلى الحبشة، وهذه هي الهجرة الأولى. فآواهم النجاشي وأكرمهم، وقال لهم: أنتم سيُومٌ([10]) بأرضي، اذهبوا حيت شئتم، من رامكم بسوء غرم وأثم.([11]) ثم تتابعوا إلى الهجرة، وكان عددهم يزيد على الثمانين من بين رجال ونساء.

وكان المسلمون في ابتداء الإسلام مأمورين بالصلاة، والعفو والصفح، والصبر على أذى المشركين، وكانوا يحبون أن يؤمروا بالقتال لينتصروا. وأتى عبد الرحمن ابن عوف وأصحاب له إلى النبي ﷺ وهو بمكة، فقالوا: يا رسول الله، كنا أعزاء ونحن مشركون، فلما أسلمنا صرنا أذلة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم».([12])

فلما أمروا بالقتال كرهه بعضهم، وودوا لو تأخر فرضه عليهم، وأنزل الله تعالى{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}([13]).

فلما اشتد الأذى برسول الله ﷺ وعظم به البلاء، خرج إلى الطائف يطلب من ثقيف النصرة والتأييد والحماية، فلم يجد عندهم قبولاً لدعوته، وأشْلَوا([14]) عليه سفهاءهم. فكانوا يرمونه بالحجارة ويقولون: ساحر كذاب، حتى أدموا عقبه، فرجع عنهم حزينًا كئيبًا حتى أتى وادي نخلة – وهي موضع ميقات أهل نجد – فتوضأ وصلى، ودعا بدعائه المشهور وقال:

«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»([15]).

ثم إن رسول الله ﷺ أراد دخول مكة بعد رجوعه من الطائف، فمنعته قريش من الدخول، فأرسل إلى المطعم بن عدي، وقال: «إن قريشًا منعتني من دخول بلدي، وإني أريد أن أدخل في جوارك» فلبَّى دعوته، وأمر بنيه وإخوته أن يلبسوا سلاحهم، فخرج إليه إلى المكان الذي وعده فيه، فدخل مكة، وطاف بالبيت وهم محدقون به؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول في قتلى بدر: «والله لو كان المطعم بن عدي حيًّا فسألني هؤلاء القتلى لتركتهم له».([16])

وكان جميع عرب الحجاز ونجد مع قريش على حرب رسول الله ﷺ، فلما استجاب الأنصار لدعوته على أن يمنعوه، ويمنعوا كل من هاجر إليهم من أصحابه، مما يمنعون منه أهلهم وأولادهم، وتواثقوا معه على ذلك ليلة العقبة، فعند ذلك أمر رسول الله ﷺ كل من أسلم بأن يهاجروا إلى المدينة، فكانوا يخرجون أرسالاً، ويهاجرون على سبيل الاختفاء من قريش. وكانت قريش يصادرون أموال كل من هاجر منهم، وأنزل الله سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}([17]). وهذه هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال، لهذا كان قتال رسول الله ﷺ لقريش ولسائر العرب، كله دفاعًا عن الدين، وعن أذى المعتدين.

ولما اشتد الأذى برسول الله ﷺ وتألبت قريش بالعداوة له ولأصحابه، ثم اتفقوا في أن يختاروا من كل قبيلة رجلاً فيضربوه جميعًا بسيوفهم في وقت واحد، حتى يضيع دمه من بينهم. فأطلع الله نبيه ﷺ على كيدهم ومكرهم، وأنزل الله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *}([18]).

وعلى أثر هذه الممالأة على قتله، حصل مع رسول الله ﷺ تلك الليلة شيء من الخوف من هجومهم عليه، إذ سمع حركة سلاح، فاطلع فقال: «من هذا؟» فقال: أنا ربيعة بن كعب الأسلمي، أحرسك يا رسول الله لتنام. فقال له: «سل». فقال: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أوغير ذلك؟» فقلت: هو ذاك. قال: «فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود». رواه مسلم.

ثم إن الله سبحانه أمر رسول الله ﷺ بالهجرة في شهر ربيع الأول على القول الصحيح، وكان رسول الله ﷺ لا يخطئه يوم إلا ويأتي بيت أبي بكر، إما بكرة أو عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه بالهجرة والخروج من مكة؛ أتى إلى أبي بكر للهجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: والله ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أَخْرِجْ عني مَن عندك» فقال: إنما عندي ابنتاي: عائشة وأسماء، وما ذلك فداك أمي وأبي؟ فقال: «إن الله قد أذن لي في الهجرة» فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. فقال: «نعم» فبكى أبو بكر فرحًا، فقال: يا نبي الله، إن عندي راحلتين أعددتهما لهذا الشأن([19]).

وأخذت أسماء بنت أبي بكر تجهز لهما جهاز السفر، فصنعتْ سُفرة في جراب، وشقت نطاقها نصفين، فربطت لهم الجراب بنصفه، وربطت أسفل الجراب بالنصف الثاني، فسميت ذات النطاقين من ذلك اليوم.

ثم إنهما استأجرا عبد الله بن أريقط هاديًا خريتًا وكان مشركًا على دين قومه، فخرج رسول الله ﷺ على حين غفلة من قومه ولم يعلم بخروجه أحد إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإن رسول الله ﷺ أمره أن يتخلف حتى يؤدي الودائع التي عند رسول الله ﷺ للناس، وكان رسول الله ﷺ يدعى الأمين، وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه، إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته. فخرج رسول الله ﷺ خائفًا مختفيًا في صحبة أبي بكر، وعمدا إلى غار ثور – وهو جبل بأسفل مكة – فدخلاه، وأمر أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة بأن يرعى غنمه بالنهار، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار؛ لتخفي أثرهما، ويشربان من لبنها، ففعل ذلك.

وخرجت قريش في طلب رسول الله ﷺ وهم يمرون بالغار ويقول أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى شراك نعله لأبصرنا. ورسول الله ﷺ يقول: «لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»([20]).

يقول الله تعالى: {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *}([21]).

فمكثا في الغار ثلاثة أيام، ثم خرجا منه لسفرهما إلى المدينة، ونظر رسول الله ﷺ إلى مكة وقال: «والله إنك لأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت».([22]) ثم إن المشركين من قريش ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات، وجعلوا لمن ردهما، أو رأو أحدهما مائة من الإبل عن كل واحد منهما، فجاء رجل إلى قوم جُلوس فيهم سراقة بن مالك بن جعشم. فقال: يا سراقة، إني رأيت أسودة([23]) بالساحل، ولا أراها إلا محمدًا وأصحابه، فقال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا. أريد أن أُعَمِّي خبرهما، حتى أفوز بالجُعْل، ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وأخذت رمحي، وركبت فرسي، فدفعتها حتى قربت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها، حتى إذا قربت منهما، إذ سمعت قراءة رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات.

ويقول أبو بكر: يا رسول الله، لقد لَحِقَنا الطلب. ورسول الله ﷺ يقول: «لا تحزن إن الله معنا». فأرسل رسول الله عليه سهمًا من سهام الدعاء؛ فساخت قوائم فرسه بالأرض حق بلغت الركبتين، فخررت عنهما. قال: فناديتهم بالأمان، فوقفوا وعرفت حينئذ أنه سيظهر أمر رسول الله ﷺ، فقلت له: لله عليَّ أن أرد كل مَن جاء في طلبك، فادع الله لي أن يخرج فرسي. فدعا الله وخرجَتْ فرسه، وصدق في ذلك؛ فكان لا يجيء أحد من الطلب إلا رده، ويقول: قد كفيتم ما هنالك.([24])

ولما سمع أبو جهل بخبر سراقة بن مالك، أخذ يعنفه ويلومه، حيث لم يردهما. قال سراقة بن مالك مجيبًا له:

أباحَكَمٍ والله لو كنتَ شاهدًا لأَمْر جوادي حين ساخت قوائمُهْ
علمتَ ولم تشكك بأن محمدًا رسول ببرهان فمَن ذا يقاومُهْ

ثم إن رسول الله ﷺ مر بخيمة أم معبد الخزاعية وكانت امرأة بَرْزَة جَلْدة،([25]) تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي الناس. فجاء رسول الله ﷺ فسأل: «هل عندك من لحم أو لبن نشتريه؟» فلم يجدوا عندها شيئًا من ذلك، وقالت: لو كان عندنا من ذلك شيء ما أعوزكم القِرَى.([26]) وكان القوم مُرْمِلِين مُسْنِتِين([27]) فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة عجفاء في كسر خيمتها، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» فقالت: هذه شاة خلَفها الجهد عن الغنم. فقال: «هل فيها من لبن؟» فقالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها؟» فقالت: إن كان بها حليب فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ للشاة ومسحها، وذكر اسم الله عليها، فدرت واجترت وتفاجت، ودعا بإناء لها يُربِض الرهطَ([28]) فحلب فيه حتى ملأه، فشربوا عللاً بعد نهل([29]) ثم حلب فيه ثانيًا، فغادره عندها، ثم ارتحل. فجاء زوجها أبو معبد، فسألها عن هذا اللبن، فأخذت تخبره خبره وتستقص صفته. فقال: هذا صاحب قريش الذي كانت تطلبه.

وقد قيل في ذلك:

جزى الله ربُّ الناس خير جزائه رفيقين حلاَّ خيمتَيْ أم معبدِ
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح مَن أمسى رفيق محمدِ
فيالقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسؤددِ
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهدِ([30])

ودخل المدينة بعد الزوال، فتنازعه القوم كلهم يريد أن ينزل عنده، فقال: «سأنزل على بني النجار» أخوال جده عبد المطلب ليكرمهم بنزوله عندهم، فنزل على أبي أيوب الأنصاري. وكان قد أقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وصلى بالناس الجمعة وهي أول جمعة صلاها بالمدينة، وأسس مسجد قباء، ثم ركب ناقته، فجعلت قبائل الأنصار يعترضونه في طريقه، كل منهم يطلب نزوله عنده، ويقولون: هَلُمَّ إلينا، فعندنا العدد والمنعة. ورسول الله ﷺ يقول: «خَلُّوا سبيلها فإنها مأمورة»([31]). حتى أتت موضع مسجده الآن، فبرَكَتْ به ناقته ﷺ. وحُفِظ من قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرًا *}([32]).

ومن جميل شعر الأنصاري في هجرة الرسول ﷺ قول قيس بن صِرْمة، وكان ابن عباس يتردد عليه ليحفظها.

ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيبًا مواتيًا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيًا
فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيًا
بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعًا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره وأن كتاب الله أصبح هاديًا

* * *


([1])        سورة البقرة: 214.

([2])        رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي و ابن ماجه و ابن حبان من حديث أنس بإسناد صحيح.

([3])        سورة العلق: 1 – 5.

([4])        سورة آل عمران: 164.

([5])        سورة المدثر: 1 – 5.

([6])        أخرجه أحمد من حديث جابر.

([7])        رواه البخاري من حديث عائشة.

([8])        انظر: زاد المعاد جـ1 ص24،

([9])        سيف البحر: أي ساحله.

([10])       سُيُوم: أي آمِنون.

([11])       رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جعفر بن أبي طالب.

([12])       أخرجه النسائي في الكبرى من حديث ابن عباس.

([13])       سورة النساء: 77 – 78.

([14])       أشْلَوْا: أي أغرَوْا ودعَوْا.

([15])       رواه الطبراني من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

([16])       أخرجه البخاري من حديث جبير بن مطعم.

([17])       سورة الحج: 39 – 40.

([18])       سورة الأنفال: 30.

([19])       أخرجه البخاري من حديث عائشة.

([20])       رواه الإمام أحمد من حديث أنس.

([21])       سورة التوبة: 40.

([22])       أخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث ابن عباس.

([23])       أَسودة جمع قلة لسواد، وهو الشخص.

([24])       متفق عليه من حديث أبي بكر الصديق.

([25])       امرأة بَرْزَة: عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم، وهي المرأة التي أسنَّت وخرجت عن حد المحجوبات… ومعنى جَلْدة: صلبة.

([26])       القِرى: الضيافة.

([27])       مرملين: أي نَفَدَ زادُهم وافتقروا… مُسْنِتين: أي مُجدِبين أصابهم القحط والجدب.

([28])       معناه أنه يرويهم حتى يُثقِلهم فيربضوا فيناموا لكثرة اللبن الذي شربوه، ويمتدوا على الأرض، مِن ربض بالمكان يربض: إذا لصق به وأقام ملازمًا له.

([29])       أي صبوا اللبن على اللبن، وشربوا وشربوا تباعًا حتى رووا، فالعلل: الشربة الثانية، والنهل: الشربة الأولى.

([30])       هذا الحديث بتمامه في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم من حديث أم معبد وأخرجه الحاكم في المستدرك دون ذكر ما قيل من شعر حسان بن ثابت.

([31])       ذكره ابن هشام في السيرة جـ2 ص101 طبعة دار الجيل.

([32])       سورة الإسراء: 80.

أضف تعليق