الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت على الأضحية عنه

لتنزيل الموثيقة الخاصة بدراسة الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل اضغط هنا

(1)

الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل

الصدقة عن الميت على الأضحية عنه

الرسـالة

تذاكُرٌ جرى مع بعض المشايخ الكرام في شأن أضحية النبي عن أمته -عليه الصلاة والسلام- استظهر بعضهم من فعل هذه الأضحية مشروعية الأضحية عن الموتى، والفعل لا يحتمله ولا يمت له بصلة ولم ينقل عن أحد من الصحابة القول به، ولا العمل بموجبه لوجوه عديدة:

الوجه الأول:

أن الأضحية إنما شرعت في حق الحيّ، فأول من فعلها إبراهيم عليه السلام حيث قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *}([1]) وهي أضحية أمر أن يذبحها يوم عيد النحر. ثم سنها رسول الله ﷺ في أمته تشريفًا لعيد الأضحى الذي سمي باسمها، وشكرًا لله على بلوغه، وإدخالاً للسرور على الأهل والعيال فيه، ولتكون أعياد المسلمين عالية على أعياد المشركين وما يقربونه لآلهتهم من القرابين. ولهذا كان النبي ﷺ يقسّم الأضاحي بين أصحابه، لإدخال السرور والفرح عليهم وتعميم العمل بمشروعية الأضحية، كما أنه كان يذبح أضاحيه بمُصلى العيد، إشهارًا لشرف هذه الشعيرة ومكانها من الشريعة، كما أمروا بصلاة العيد، وأنزل الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *}([2])، فالذين أمروا بصلاة العيد هم المأمورون بنحر الأضاحي وهم الأحياء ولا علاقة لها بالأموات البتة.

وأما أضحية النبي ﷺ بالكبش عنه وعن أمته، فإن الله سبحانه قد أثبت لنبيه الولاية التامة العامة على كافة أمته، وهي ولاية أحق وأخص من ولاية الرجل على عياله وأهل بيته ونفسه، فقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}([3])، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه»([4])، فمن ولايته أضحيته عن أمته كما يضحي أحدنا عن عياله وأهل بيته، بل أحق.

وقد ذكر الفقهاء سقوط وجوب الأضحية عن كافة الناس بأضحية النبي عنهم، وبقي الاستحباب في حق كل من قدر عليها، وهذه الأضحية وقعت من النبي ﷺ بطريق الأصالة، وإنما أشرك جميع أمته في ثوابها ولا يمكن أن يقال: إن النبي ضحى بالكبش عنه وعن أمته ليفهم منه مشروعية الأضحية عن الموتى، والفعل لا يحتمله ولا يمت له بصلة، ولم ينقل عن الصحابة القول به ولا العمل بموجبه.

الوجه الثاني:

أنه توفي عدد من أقارب النبي ﷺ في حياته، فتوفي ابنه إبراهيم وتوفيت ثلاث من بناته وتوفيت زوجته خديجة، التي هي أحب النساء إليه، وكان يكثر من ذكرها ويهدي اللحم إلى صديقاتها، ومع هذا كله لم يضح عنها ولا عن أحد من أبنائه وبناته، ولو كانت الأضحية عن الميت من شرعه، لما بخل بها عن أحبابه وأقاربه ولفعلها ولو مرة واحدة، مع العلم أنه متصف بالجود والكرم، فكان يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العمل بسنة الأضحية.

الوجه الثالث:

أن الصحابة هم الذين حفظوا سنة رسول الله ﷺ وبلغوها إلى الناس، ولم يحفظ عن أحد منهم أنه ضحى عن ميِّته ولا أوصى أن يضحى عنه بعد موته، ولا وقف وقفًا له في أضحية وهم أحرص الناس على اتباع السنة وأبعدهم عن البدعة، فلو كانت الأضحية عن الميت سنة أو أن فيها فضيلة، أو أن نفعها يصل إلى موتاهم، لكانوا أحق بالسبق إليها ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. أفيقال: إنها سنة فجهلوها، أو إنهم علموها فأهملوا العمل بها؟ كل هذا لا يمكن نسبته إليهم.

الوجه الرابع:

أن جميع الصحابة الذين سألوا رسول الله ﷺ عن أفضل ما يفعلونه لموتاهم، إنما أرشدهم النبي ﷺ إلى الدعاء والصدقة وصلة الأقارب وقضاء الواجبات من حج ونذر، فهذا سعد بن عبادة، قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال: «نعم، تصدق عن أمك»([5]). ولم يقل ضح عن أمك، وهذا أبو طلحة، وضع بيرحاء بين يدي رسول الله وقال: ضعها حيث أراك الله. فقال: «بخ مال رابح أرى أن تجعلها في أقاربك»([6]). ولم يأمره أن يجعل فيها أضحية تذبح عنه بعد موته، كما يفعله بعض الناس، وهذا عمر بن الخطاب استشار رسول الله في مصرف وقفه الذي هو أنفس مال عنده، فأشار عليه رسول الله بأن يحبس أصلها ويتصدق بثمرها، فتصدق بها عمر على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولم يجعل له فيها أضحية، ولو كانت مشروعة أو أنها أفضل من الصدقة لأرشده النبي إليها، ولما ساغ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينساها لنفسه وهو أحرص الناس على إيصال النفع له بعد موته.

فالصدقة عن الميت وخاصة من الأولاد عن والديهم هي أفضل من ذبح الأضحية، لكون الصدقة قد أجمع العلماء على فضلها ووصول نفعها لاسيما إذا خرجت من المتصدق في عشر ذي الحجة التي العمل فيها أفضل من غيرها، وتصادف من الفقير موضع حاجة وشدة وفاقة، لما يتطلبه العيد من الكسوة والنفقة له ولعياله.

الوجه الخامس:

أن القائلين بمشروعية الأضحية عن الميت أخذًا من مفهوم أضحية النبي ﷺ عنه وعن أمته، أنه فهم غير صحيح ولا مطابق للواقع، فإن هذه الأضحية وقعت من النبي ﷺ بطريق الأصالة، وقد أشرك جميع أمته في ثوابها ولم يخص بذلك الأموات دون الأحياء، وهذه لا يقاس عليها لاعتبارها من خصائصه، فإن هذه الأضحية دخل في ثوابها الأحياء الموجودون من أمته وقت حياته، كما دخل فيها المعدومون ممن سيوجد من أمته إلى يوم القيامة، وهذا الفعل بهذه الصفة لا ينطبق على أضحية غيره، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يضحى عن المعدوم كمن سيولد له حتى ولا الحمل في البطن لا يضحى عنه، ولا يضحى عن حيّ ليس من أهل بيته بغير إذنه، فدلت على الاختصاص به وعدم التشريع بها والحالة هذه.

الوجه السادس:

إذ لو كانت للتشريع كما يقولون لاستحب لكل مقتدر أن يضحي عن أمة محمد الموجودين والمعدومين كما فعل رسول الله ﷺ، إذ هذا محض الأسوة به، ولم يقل بذلك أحد من العلماء فسقط الاستدلال بموجبه.

الوجه السابع:

أن أهل المعرفة بالحديث متفقون على أنه لا يوجد في الأضحية عن الميت حديث صحيح ولا حسن يدل دلالة صريحة على الأمر بها، فضلاً عن أن يكون فيها أخبار متواترة أو مستفيضة، فمتى كان الأمر بهذه الصفة امتنع حينئذ التصديق بكون النبي ﷺ أوصى بها وشرعها لأمته، ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة ولا التابعين، مع تكرار السنين وحرصهم عل محبة الرسول واتباع سنته وتنفيذ أوامره، والعادة تقتضي نقل ذلك لو وقع منهم، إذ هي من الأمور الظاهرة التعبدية التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها وتبليغها، لكونهم أحرص الناس على فعل الخير وإيصال ثوابه إلى الغير من موتاهم، فمتى كان الأمر كذلك علمنا حينئذ أنها ليست بمشروعة ولا مرغب فيها، لأن عدم فعلها يعتبر من الإجماع السابق زمن الصحابة واعتبار حكم الإجماع في محل النزاع حجة.

الوجه الثامن:

أن قدماء فقهاء الحنابلة من لدن القرن الثاني الذي فيه الإمام أحمد إلى القرن الثامن الذي فيه شيخ الإسلام، لم يحفظ عن أحد منهم ولم نجد في شيء من كتبهم القـول بمشروعيـة الأضحيـة عن الميت إلى أن نسب إلى شيـخ الإسلام ابن تيميـة -رحمه الله- القول باستحبابها، ثم أخذها صاحبا الإقناع والمنتهى فأدخلاها على المذهب في القرن الحادي عشر، حيث قالا: وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي. وفي الإقناع: وذبحها ولو عن ميت أفضل من الصدقة بثمنها.

وقد علمنا أن قولهما في استحباب الأضحية عن الميت أنه قد طبع وانتشر واشتهر وحفلت به الجماهير والخلق الكثير ورسخت حقيقته في ذهن الصغير والكبير إلى حالة أنهم صاروا يضحون لموتاهم وينسون أنفسهم على نسبة عكسية من مشروعية الأضحية. وليس كل ما يكتبه الفقيه أو يفتي به يكون حجة على الناس بدون دليل يؤيده، لأن الفقيه قد يقول القول المرجوح الذي يعجزه أن يقيم الحجة على صحته فيطبع وينشر وتحفل به الجماهير والخلق الكثير وهو غير صحيح في نفس الأمر والواقع، وقد ذكر حمد بن ناصر بن معمر من مشايخ الدعوة أن سبب منشأ القول بمشروعية الأضحية أن الفقهاء لمّا سمعوا بحديث حنش الصنعاني عن علي أن رسول الله أوصاه أن يضحي عنه فظنوه صحيحًا وبنوا على ظنهم جواز العمل به.

الوجه التاسع:

مذاهب الأئمة الثلاثة، وهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، كلهم متفقون على عدم استحباب الأضحية عن الميت لعدم ما يدل على مشروعيتها، وقد ذكرنا أقوالهم في الرسالة معزوة إلى كتبهم، ولهذا تجد الأضحية عن الميت على سبيل الانفراد غير معروفة ولا معمول بها في سائر الأمصار التي يحكم أهلها بمذاهب الأئمة الأربعة، كالشام، ومصر، والعراق وفارس، واليمن، حتى باعتراف العلماء الموجودين على قيد الحياة، فلا تذكر الأضحية عن الميت لا في أوقافهم ولا وصاياهم ولا تبرعاتهم، لاعتقادهم عدم مشروعيتها، فكيف يقال بتفضيل ما اتفق الأئمة الثلاثة على عدم مشروعيته على فعل الصدقة عن الميت المنصوص على فضلها، والمجمع على وصول نفعها وخاصة من الأولاد لوالديهم؟!

الوجه العاشر:

أن الصحابة والتابعين لم ينقل عنهم فعل الأضحية عن موتاهم، فقد علمنا ذلك بعدم نقله عنهم وهذه أسفار السنة على كثرتها منشورة بين الناس، وهي لا تثبت عن أحد منهم فعلها لا في سبيل تبرعاتهم ولا أوقافهم ولا وصاياهم، ومن المعلوم أن الأمور الوجودية الصادرة من مثل الصحابة يتناقلها الناس من بعضهم إلى بعض حتى تشتهر وتنتشر كما نقلوا سائر السنن من الواجبات والمستحبات. أما الأمور العدمية التي لا وجود لفعلها كالأضحية عن الميت ونحوها، فإن الناس لا ينقلونها إلا عندما يحتاجون إلى ردها وبيان الهدى من الضلال فيها، فلو نقل ناقل أن أصحاب رسول الله كانوا يضحُّون لرسول الله أو يحجون له أو يقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إليه، لحكمنا بكذبه لعدم نقله، ولو فُتح هذا الباب لاحتج كل واحد لبدعته بما يؤكدها من عدم ثبوت إنكارها فتفشو البدع ويفسد الدين.

الوجه الحادي عشر:

أن كل من تدبر النصوص الدينية من الكتاب والسنة وعمل الصحابة، فإنه يتبين له بطريق جلية أن الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء، شكرًا لله على بلوغه واتباعًا للسنة في إراقة الدم فيه لله رب العالمين، أشبه مشروعية صدقة الفطر عند عيد الفطر، لإغناء الطوّافين من الفقراء والمساكن، فلو قال قائل بمشروعية صدقة الفطر عن الأموات لعده العلماء مبتدعًا، لعدم ما يدل على مشروعية ذلك وهذا هو عين ما فهمه الصحابة من حكمة الأضحية، فكيف يمكن أن يقال بعد هذا: إن النبي ﷺ ضحى بالشاة عن نفسه وعن أمته؛ ليفهم عنه جواز الأضحية عن الموتى، والفعل لا يحتمله ولا يمت له بصلة، ولم ينقل عن علماء الصحابة القول به ولا العمل بموجبه، وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله.

ولا عجب من كون جهلة العوام يستغربون القول بهذا فتنفر منه نفوسهم، ولم تطمئن إليه قلوبهم؛ لعدم اعتيادهم لسماعه فضلاً عن العمل به؛ ولأن من تربى على مذهب وتعود على العمل به في بلده، واعتقد صحته، فإن من طبيعته استنكار العمل بمخالفته لاعتقاده أنه خروج عن دين الله أو عن طاعة الله ورسوله، والعامي: مشتق من العمى، وهم أتباع القادة من العلماء.

ولهذا السبب أحببت توطيد ثبات ما قلت من عدم مشروعية الأضحية عن الميت بما يكون كالمؤنس له والمؤذن بقبوله من نصوص الكتاب والسنة وعمل الصحابة ومذاهب الأئمة الأربعة، احترازًا مما قد يسبق إليه الوهم ويسوء فيه الفهم من دعوى الشذوذ بالقول به أو عدم سبق العلم بموجبه، وقد مدح الله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله أعلم.

أيها القراء الكرام، إن هذه الرسالة الوجيزة لن يظهر للقارئ حقيقة صحتها ولا رجحان مصلحتها، إلا بعد استكمال دراستها، ثم عرضها على محك التمحيص وميزان التصحيح من نصوص الأصول وأمهات الفروع كلها من كتب المذاهب، ليتبين بذلك جلية أمرها ورجحان مصلحتها ومن ادعى خلاف ما قلنا فيها، فإنه مطالب بالدليل والمُؤْمن لدى الحق أسير، إذ ليس كل ناقل خبير ولا كل ناقد بصير، سوى الله الذي لا معقب لحكمه، نعم المولى ونعم النصير.

* * *

الأعياد عند الأمم

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ونحمده ونشكره ونكبره أن جعلنا مسلمين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن همزات الشياطين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أما بعد:

فإن كل من تأمل التواريخ الإسلامية وغير الإسلامية، يتبين له بطريق الوضوح والجلية أن سائر الأمم على اختلاف أطوارهم وأوطانهم وتباين مذاهبهم وأديانهم، كل أمة لها أعياد زمانية ومكانية يقدسونها ويقرّبون القرابين لمعبوداتهم فيها.

والأعياد على الإطلاق، إما أن تكون شرعية، وإما أن تكون بدعية، كما أن القرابين، إما أن تكون دينية، وإما أن تكون شركية، يقول الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ}([7]). قال ابن عباس: لكل أمة جعلنا منسكًا، أي عيدًا. وقال عكرمة: أي ذبحًا. والمعنى متقارب، يخبر سبحانه بأن الأعياد وذبح القرابين فيها لا يزال مشروعًا في سائر الأمم والملل، كما في الحديث، أن النبي ﷺ قال: «إن لكل قوم عيدًا»([8]). وقوله: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ}، أي عند ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فمنهم من يذكر اسم الله عند الذبح، ومنهم من يذكر اسم الطواغيت والأصنام.

فلليهود أعياد يعظمونها ويقرّبون القرابين فيها، وللنصارى أعياد يعظمونها، أشهرها: عيد الميلاد وعيد الفصح، يظهرون فيها الفرح والسرور والمنكر والزور، وللعجم أعياد مشهورة كعيد المهرجان والنيروز، وكل هذه الأعياد تشتمل على الشرك والمنكر والزور وفنون من البدع والفجور، ولهذا ورد النهي عن الدخول عليهم في أعيادهم، فإن السخط ينزل عليهم.

أما العرب في جاهليتهم، فإن لهم أعيادًا يقدسونها ويقرّبون القرابين لآلهتهم فيها، كاللات والعزى ومناة وهبل، ويذبحون على قبور من يعظمونهم الإبل والبقر والغنم، ويفتخرون بذلك في أعيادهم وأشعارهم([9])، ولهذا أكثر القرآن الكريم من تحريم ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب، وما لم يذكر اسم الله عليه، وفسره بعض العلماء بما أهل لغير الله، لأن هذه الأعمال الشركية هي الرائجة في أعيادهم وعوائدهم، ولمّا نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ » قال: لا، قال: «وهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قال: لا، قال: «فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». رواه أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك.

فبعد أن علم النبي ﷺ بطهارة الساحة المنذور عليها من عوائد الأعياد البدعية والأعمال الشركية أمره بأن يفي بنذره لتمحض هذا النذر في عمل البرّ.

* * *

الأعياد الإسلامية

جاء الإسلام فنسخ سائر الأعياد البدعية ونهى عنها وعن الدخول على أهلها، وأخبر أن السخط ينزل عليهم فيها.

قال أنس: قدم النبي ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. فهذان اليومان اللذان يلعبون فيهما هما عيدان لهما زمن الجاهلية، فأبدلهما الله بهما بعيد الأضحى وعيد الفطر، فهما عيدا عبادة لأهل الإسلام، فعيد الفطر شرع شكرًا لإتمام الصيام والهداية إلى الإسلام وشرع فيه إخراج صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين ليستغنوا بها عن تكفف الناس في هذا اليوم العظيم، حيث قال: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم»([10]).

كما أن عيد الأضحى شرع لاستكمال مناسك حجهم، وشرع فيه تقريب القرابين من إراقة دماء الأضاحي والمناسك لله رب العالمين، وسُمي من أجل ذلك يوم النحر، لكون جميع المسلمين من أهل الأمصار والبوادي والحجاج والمقيمين كلهم يتقرّبون إلى الله فيه بإراقة دماء القرابين قائلين: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ}([11]). وسمي يوم الحج الأكبر من أجل أن واجبات الحج تفعل فيه، من الوقوف بمزدلفة ثم الدفع إلى منى ثم رمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف بالبيت الذي هو ركن الحج الأكبر، لهذا صار أفضل من عيد الفطر، وشرع في العيدين صلاة العيد المعروفة، إظهارًا لشكر بلوغ عيد الإسلام وللدعاء بقبول صالح الأعمال، كما شرع إظهار التجمل والزينة فيهما، والجهر بالتكبير في ليلتهما، وعند الخروج إليهما؛ إشهارًا لشرفهما وإكبارًا لأمرهما {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([12])، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

وقد أباح الشارع إظهار الفرح والسرور في العيدين، واستعمال اللعب المباح فلم يمنعهم من إظهار عوائدهم المباحة التي كانوا يعتادونها في أعيادهم زمن جاهليتهم من ضربهم بالدف ولعبهم بالحراب والسيوف، لما في البخاري عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع رسول الله وحوّل وجهه، فجاء أبو بكر فانتهرني فقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله! فأقبل عليه رسول الله بوجهه فقال: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا».

وكان يوم عيد لعب السودان فيه بالدرق والحراب وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة»([13]). وفي رواية قال: «لتعلم يهود أن في ديننا سعة»، أو قال: «فسحة»([14]).

* * *

القرابين عند الأمم الأخرى وفي الإسلام

إن تقديم القرابين لا يزال موجودًا في سائر الأمم والملل، وقد قص الله في كتابه خبر ابني آدم لصلبه فقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ}([15]). قيل: إن قابيل قدم قربانه ثمرًا من ثمار الأرض، وهابيل قدم قربانه من أبكار غنمه، وكانت القرابين تنقسم عندهم إلى ثلاثة أقسام؛ أحدها: الذبيحة المحرقة، يحرقونها ولا يأكلونها يزعمون أنهم يفعلونها لرضى الرب. والثانية: قرابين التكفير عن الخطايا، يحرقون بعضها وتأكل الكهنة بعضها. والثالثة: قرابين السلامة، يأكلونها لأن أكلها حلال عندهم، وإذا كان الإنسان فقيرًا لا يمكنه أن يقدم من الحيوان ذوات الأربع قبلوا منه تقديم ذبيحة الطيور، فهذه صفة القرابين عند الأمم، ويشترط في القرابين كلها أن تكون سليمة من العيوب، أما القرابين في الإسلام فإنها عبارة عما يقرّب إلى الله ويذكر عليه اسم الله، من دماء الأضاحي والمناسك وما يهدى إلى البيت، وكذا العقيقة والمنذور ذبحها لله؛ لئن شفى الله مريضي أو رد غائبي، فلله أن أذبح بدنة أو كبشًا. ويدخل فيه دماء الجبرانات وهي الدماء الواجبة بسبب ترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظور من محظوراته.والقرابين يجوز فيها ما لا يجوز في الأضاحي، فتجوز من الطيور، كالدجاج أو البط، ومن الثمار، كالبر والتمر، وغير ذلك من كل ما يتقرّب به إلى الله ويهدى إلى حرم الله.

كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال في الجمعة: «من غدا في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن غدا في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن غدا في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا، ومن غدا في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن غدا في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة»([16]). فجعل الدجاجة والبيضة من جملة القرابين، وعليه يحمل ما روي عن أبي هريرة أنه ضحى بديك، وكذلك بلال- مؤذن الرسول- ضحى بديك، لأن هذا الديك وإن لم يكن أضحية على الصفة المطلوبة، فإنه لن يخرج عن مسمى القربان الذي يقرّبه صاحبه إلى الله ويرجو ثوابه بإراقة دمه في يوم العيد عند الله، إذ هذا من باب جهد المقل والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها([17]).

* * *

الأضحية الشرعية([18])

الوجه الأول:

كل من تدبر النصوص الدينية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، تبين له بطريق الوضوح والجلية والدلائل القطعية أن الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء، أشبه مشروعية صلاة العيد على السواء، وأشبه مشروعية صدقة الفطر فيمن أدرك عيد الفطر، فهي والحالة هذه تعد من شعائر الدين ومن القرابين التي تقرّب لرب العالمين، وفيها التشريف لعيد الإسلام وعيد حج بيت الله الحرام المسمى في كتاب الله بيوم الحج الأكبر، فيتقربون إلى الله فيه بإراقة دم القرابين من الأضاحي ودماء المناسك إشهارًا لشرفه وإكبارًا لأمره ولتكون أعياد المسلمين عالية على أعياد المشركين، وما يقربونه لآلهتهـم من القرابين وفيها القيام بامتثال طاعة الله والتأسي بسنة رسول الله، وفي فعلها إظهار لشكر نعمة الغنى، حيث جعل من يضحي من الأغنياء المقتدرين ولم يجعله من الفقراء العاجزين. وهذا يعد من أسمى منازل الرفعة والفضيلة؛ لأنه لا أعلى منزلة من طاعة الإنسان لمولاه والتقرّب إليه بوسائل رضاه.

وكان رسول الله يقسّم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العمل بهذه السنة وإدخال السرور عليهم بفعلها، كما أنه يذبح أضاحيه بمصلى العيد بمرأى من جميع الناس ومسمع؛ إشهارًا لشرف هذه الشعيرة وإشعارًا بمكانها من الشريعة، وعن زيد بن أرقم قال: قلنا – أو قالوا -: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: وما لنا فيها؟ قال: «بكل شعرة حسنة»، قالوا: فالصوف؟ قال: «وبكل شعرة من الصوف حسنة». رواه أحمد وابن ماجه.

فالذبح في مثل هذا اليوم يعد من العبادة لرب العالمين {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ}([19])، كما أن الذبح للصنم والذبح للجان والذبح للزّار والذبح للقبر، يعد من الشرك المبين، ففي البخاري عن عليٍّ قال: حدثني رسول الله بأربع كلمات فقال: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غيّر منار الأرض»، أي مراسيمها. والأضحية إنما شرعت في حق الحي لا الميت، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، أما القرآن فإن مبدأ مشروعية الأضحية في الإسلام هو ما قص الله عن نبيه إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام حيث قال:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ *}([20]).

وهذا الذبح هو كبش أمر إبراهيم بأن يذبحه قربانًا إلى الله في يوم عيد النحر على ما قيل، فكان سنة في ذريته، حيث أمر رسول الله بأن يتبع ملته، فسنها رسول الله ﷺ لأمته، كما في حديث زيد بن أرقم المتقدم، قال: قلنا أو قالوا: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم»، قالوا: وما لنا فيها؟ قال: «بكل شعرة حسنة»([21]). الحديث، فهذا هو مبدأ مشروعية الأضحية وأنها من خصوصية الأحياء تشريفًا للعيد، وشكرًا لله على بلوغه كما يدل له قضية الحال والمقال.

الوجه الثاني:

قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ *}([22]).

قال ابن عباس: لكل أمة جعلنا منسكًا، أي عيدًا. وقال عكرمة: ذبحًا. والمعنى متقارب، يخبر سبحانه أن الأعياد وتقريب القرابين فيها لا يزال مشروعًا في سائر الملل والأمم، وقوله: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ}، أي عند ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فمن الناس من يهل ذبيحته للطواغيت والأصنام فتكون على آكلها من أصناف الحرام، ومنهم من يذبحها على اسم الله كالأضاحي ودماء المناسك وسائر ما يتقرب به إلى الله ويأكلون مما رزقهم الله من لحومها حلالاً طيبًا، وهذا هو حقيقة ما يفعله المسلمون في أعيادهم، يأكلون ويهدون ويتصدقون، وفي الآية الأخرى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}([23])، فهذه وإن نزلت في دماء المناسك، فإن الحكم في الأضحية كالحكم في الهدي، لأن الأضاحي ودماء المناسك معناهما واحد. قاله في الكافي، وأما الأيام المعلومات فهي يوم العيد وأيام التشريق.

وبهذا يترجح قول من قال: إن وقت الذبح هو يوم العيد وثلاثة أيام بعده. كما هو ظاهر مذهب الشافعي، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لما روي عن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: «كل أيام التشريق ذبح» رواه أحمد والدارقطني.

وفي رواية: «كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح»، ويدل له حديث نبيشة الهذلي، أن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل» رواه مسلم، وعن عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. رواه البخاري. وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد العيد بالاتفاق، والتي شرع التكبير فيها في سائر أدبار الصلوات المكتوبة، وظاهر مذهب الإمام أحمد: أن وقت الذبح هو يوم العيد ويومان بعده، وبه قال مالك وأبو حنيفة.

والحاصل أن الخطاب في هذه الآيات موجه إلى الأحياء الذين أمروا بأن يذكروا اسم الله عند ذبح أضاحيهم، وأن يأكلوا مما رزقهم الله من لحومها، وأن يطعموا البائس الفقير، وهذا الخطاب لا ينطبق إلا على الأحياء المكلفين بالأمر والنهي، المستمعين للقول والمتبعين أحسنه.

الوجه الثالث:

قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}([24]).

فأخبر الله بنعمه على عباده والتي من جملتها تسخير البدن لهم؛ أي الإبل، وجعلها من شعائر الله، ولا تكون من شعائر الله إلا إذا ذبحت في عمل الطاعة كالأضحية والهدي، قال تعالى: {ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}([25])، قال ابن عباس: تعظيم الشعائر استسمانها واستحسانها([26])، وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} تركبونها وتشربون ألبانها وتأكلون لحومها.

وقوله: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} أي عند ذبحها حال كونها معقولة يدها اليسرى صافة بقية قوائمها، لأن هذا هو سنة ذبح الأضحية، قال البخاري: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} قال ابن عباس: قيامًا، وعن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته لينحرها فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد ﷺ. متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة يدها اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.

{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}، أي سقطت بالأرض بعد ذبحها {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ} وهو السائل {…وَالْمُعْتَرَّ} وهو المعترض الذي يريك نفسه لتذكره، {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وهذا كله خطاب مع الأحياء الذين خلق لهم البدن وجعل لهم فيها خيرًا يتمتعون بركوبها وبالحمل عليها ويتنعمون بألبانها ولحومها، والذين أمروا بأن يذكروا اسم الله عليها عند ذبحها وأن يأكلوا من لحمها ويطعموا السائل المتكفف والفقير المتعفف، فلا علاقة في هذه الآيات لذكر الأموات أبدًا، لكونها إنما شرعت في حق الحي الذي هو محل التكليف بالأمر والنهي.

الوجه الرابع:

قوله: {فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *}([27])، قال جماعة من المفسرين: نزلت في صلاة العيد، ثم في النحر بعده. فالذبح للأضحية إنما شرع في حق من خوطب بفعل صلاة العيد، تشريفًا لعيد الإسلام وشكرًا لله على بلوغه وإدخالاً للسرور على الأهل والعيال بأكل اللحم فيه، وقد قال الفقهاء من الحنابلة بجواز أن يضحى لليتيم من ماله لإدخال السرور بها عليه، ويجوز أن تضحي المرأة من مال زوجها بلا إذنه، لكونها من النفقة بالمعروف.

وأما الأحاديث فمنها ما روى البخاري عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ قال: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، من فعل هذا فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله»، فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال: إن عندي عناقًا جذعة فقال: «اذبحها ولا تجزي عن أحد بعدك» ففي هذا الحديث بيان صفة الأضحية الشرعية وأنها سنة في حق من أدركه العيد من الأحياء. وقد ترجم على ذلك البخاري في صحيحه فقال: باب سنة الأضحية، قال ابن عمر: هي سنة ومعروف، ثم ذكر حديث البراء المتقدم وفيه أن من ذبح على خلاف ما سنه رسول الله في الأضحية، فإن ذبيحته شاة لحم وليست من الأضحية في شيء، لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»([28]).

ومنها ما رواه أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من كان له سعة ولم يضحِّ فلا يقربن مصلانا» رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم، لكن رجح الأئمة غيره وقفه.

فهذا الحديث إنما خاطب به النبي ﷺ من صلى العيد معه وكان لديه مقدرة على الأضحية، ومنها حديث مخنف بن سليم، أن النبي ﷺ قال بعرفات: «على أهل كل بيت أضحية في كل عام وعتيرة» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي، لكنه منسوخ بحديث «لا فرع ولا عتيرة»([29])، وقيل: المنسوخ العتيرة فقط والأضحية باقية، إما على الأمر للوجوب أو للاستحباب، وقد أخذ بهذين الحديثين من قال بوجوب الأضحية، كما هو ظاهر مذهب أبي حنيفة، أنها واجبة على المقيمين من أهل الأمصار لمواظبة النبي عليها عشر سنين مدة إقامته بالمدينة، وهي رواية عن مالك، والرواية الثانية عن الإمام أحمد، والظاهر من مذهب مالك والشافعي وأحمد، أنها مستحبة وليست بواجبة، قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وإنما هي سنة مؤكدة. قال الإمام أحمد: أكره تركها لمن قدر عليها. وروي مثل هذا القول عن مالك والشافعي.

ومنها ما روى عطاء بن أبي يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله؟ قال: كان الرجل في عهد النبي يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصاروا كما ترى. رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.

وقد ورد في فضائلها أحاديث كثيرة، كحديث: «احضروها إذا ذبحت، فإنه يغفر لكم بأول قطرة من دمها»([30])، وحديث: «إن أحب الأعمال إلى الله يوم النحر إراقة دم»([31])، وحديث: «إنها تأتي يوم القيامة -على الصفة التي ذبحت عليها- بقرونها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض»([32])، وحديث: «إن للمضحي بكل شعرة حسنة»([33])، وحديث: «إن الدراهم لن تنفق في عمل صالح أفضل من نفقتها في أضحية يوم النحر»، فهذه الأحاديث وإن كان فيها مقال للنقاد غير أن هذه النصوص والفضائل إنما وردت في أضحية الحي([34]) إذ إنها هي الأضحية الشرعية المنصوص عليها بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين، لكون الأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والإقرارات والشواهد للأحوال، فلا تحصل هذه الفضائل إلا إذا وقعت الأضحية موقعها من الصفة المأمور بها على الوجه المطابق للحكمة في مشروعيتها، بأن قصد بها امتثال أمر الله واتباع سنة رسول الله، وتجرّدت عن البدع الخاطئة والتصرفات السيئة، فيكون والحالة هذه ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، كما هو ظاهر مذهب الأمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، ولأن في ذبحها إحياء لسنتها وخروجًا من عهدة من قال بوجوبها، ولكونه يتمكن من الصدقة كل وقت ولا يتمكن من فعل الأضحية إلا في الوقت المحدد لها، أشبه العقيقة فإن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها بالإجماع.

* * *

فصـل

في جواز اشتراك أهل البيت في ثواب الأضحية

سواء كانت شاة، أو سُبع بدنة

اعلم أن كل ما قلناه في الأضحية الشرعية، فإن المراد بها ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة، والشاة تطلق على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وسبع البدنة يقوم مقام الشاة في سائر ما تعمل فيه الشاة على السواء، فكل من وجب عليه هدي، بسبب متعة أو قران أو إحصار لترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظور من محظوراته أجزأه ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة، لحديث جابر قال: نحرنا مع رسول الله عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. رواه البخاري ومسلم، وثبت هذا الاشتراك في الحج أيضًا لما في صحيح مسلم عن جابر، قال: اشتركنا مع النبي في الحج والعمرة، كل سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أيشترك في البقر كما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن. وروى أحمد عن حذيفة، أن النبي ﷺ أشرك بين المسلمين في حجته البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.

وقيس على ذلك الاشتراك في الأضاحي، لأنها نظيرة الهدي كل سبعة في بدنة، وهو قول الجمهور، وذهب مالك إلى عدم الاشتراك في البدنة إلا خاصة أهل البيت الواحد وقد ساء فهم بعض الناس في هذه الأحاديث، حيث قالوا: بوجوب الاقتصار في الأضحية بالبدنة على سبعة أنفار فقط، لكل واحد منهم سبع بدنة، وأنه لا يجوز الاشتراك في ثواب السبع في حق من تطوّع به أخذًا من مفهوم قوله: اشتركنا مع رسول الله البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وهذه الأحاديث صحيحة ثابتة في المعنى المراد منها، فإن هذا الاشتراك وقع بالأمر به من النبي عام الحديبية، حينما أحرموا بالعمرة فصدتهم قريش عن دخول مكة لإتمام عمرتهم فصاروا محصرين فأمرهم النبي أن ينحر كل واحد منهم هديًا ويتحلل من إحرامه، لقول الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}([35]).

وأمرهم أن يشتركوا السبعة في بدنة والسبعة في بقرة، لكون السبع يقوم مقام الكبش في الإجزاء، وهذا الدم الواجب على كل شخص بسبب الإحصار، يجب عليه كاملاً بانفراده بدون أن يشرك أحدًا في ثوابه، سواء ذبح كبشًا أو سبع بدنة لانعقاد سبب وجوبه عليه في ذمته، أشبه دين الآدمي ومثله اشتراكهم في الحج والعمرة، فإن المتمتع والقارن يجب عليه هدي، لقول الله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}([36])، لهذا اشتركوا في البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وأكثرهم فدى بالغنم، وهذا الفدي يجب على كل متمتع وقارن بانفراده بدون أن يشرك أحدًا في ثوابه، لانعقاد سبب وجوبه عليه حينما أحرم بالحج والعمرة، سواء أهدى كبشًا أو سبع بدنة كما قلنا في دم الإحصار على السواء، ومثله الدم الواجب لترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظور من محظوراته، فيجب عليه فيه دم، فلا يجوز أن يشرك أحدًا في ثوابه لعدم مشروعية الاشتراك فيما ذكرنا من الواجبات.

وليس كذلك الأضحية المتطوّع بها، فقد ورد النص في الاشتراك لأهل البيت في ثوابها، لما ثبت أن النبي ضحى بكبش عنه وعن أهل بيته، وقال: «بسم الله، اللهم هذا عن محمد وآل محمد»([37])، وكما ثبت عن الصحابة أن أحدهم كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، وسبع البدنة يقوم مقام الشاة في سائر ما تعمل فيه الشاة، لهذا يجوز للشخص أن يشرك أهل بيته معه في ثواب السبع كما يشركهم معه في ثواب الكبش، إذ هما في الحكم سواء، وقد ترجم على ذلك المجد في المنتقى، فقال: باب البدنة من الإبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس لما روي عن ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها، فأمره النبي أن يبتاع سبع شياه وأن يذبحهن. رواه أحمد وابن ماجه، فجعل مقابل البدنة سبع شياه كما ترى.

فمن قال بجواز اشتراك أهل البيت في الأضحية بالشاة ولو كانوا مائة، ومنع الاشتراك في البدنة على ما زاد على السبعة فقد خالف المعقول والمنقول، ولا حجة له في الحديث الصحيح ولا القياس الصحيح، والله أعلم.

* * *

الأضحية الشرعية عن الميت

وهل هي شرعية أو غير شرعية؟

اعلم أن هذا الفصل هو الباعث لتأليف الأصل، وقد سبق بيان مشروعية الأضحية وما يترتب عليها من الفضيلة، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها في حق من أدركه العيد من الأحياء؛ لأن في ذبحها إحياء لسنتها وامتثالاً لأمر الله فيها واتباعًا لسنة رسول الله في مشروعيتها، كما هو ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وكل الأحاديث الدالة على فضيلتها.

إنما يقصد بها أضحية الحي، إذ هي المشهورة المشروعة بصريح الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين والسلف الصالحين.

أما الأضحية عن الميت، فإنه بمقتضى التتبع والاستقراء لكتب الصحاح والسنن والمسانيد والتفاسير والسير، لم نجد دليلاً صريحًا من كتاب الله ولا حديثًا صحيحًا عن رسول الله يأمر بالأضحية عن الميت أو يشير إلى فضلها ووصول ثوابها إليه، ولم ينقل أحد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يضحون لموتاهم، ولم يذكر فعلها عن أحد منهم، لا في أوقافهم ولا وصاياهم ولا في سائر تبرعاتهم، ولم يقع لها ذكر في كتب الفقهاء من الحنابلة المتقدمين، لا في المغني على سعته، ولا في الكافي، ولا المقنع، ولا في الشرح الكبير، ولا المحرر، ولا الإنصاف، ولا النظم، ولا في المنتقى، والإلمام في أحاديث الأحكام، ولا في إعلام الموقعين، ولا في زاد المعاد، ولا في البخاري، ولا في شرحه فتح الباري، ولا في مسلم، ولا في شرح مسلم للنووي، ولا في نيل الأوطار للشوكاني، ولا في سبل السلام للصنعاني، ولا في التفاسير المعتبرة: كابن جرير الطبري، وابن كثير، والبغوي، والقرطبي، فتركهم لذكرها ينبئ عن عدم العمل بها في زمنهم أو على عدم مشروعيتها عندهم، والظاهر من مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، عدم جواز فعلها عن الميت لعدم ما يدل على مشروعيتها، وخص الإمام أبو حنيفة الجواز بما إذا عينها ثم تُوفي بعد تعيينها، فإنها تذبح عنه تنفيذًا للتعيين. والقول الثاني: أنه لا يجوز ذبحها، بل تعود تركة، لكونه لا أضحية لميت، حكى القولين في المبسوط و بدائع الصنائع، وأشار إليه الطحاوي في مختصره.

ولم نجد عن الإمام أحمد، نصًّا في المسألة لا جوازًا ولا منعًا، فلا يجوز نسبة القول بالجواز إليه عند عدم ما يدل عليه، إلا أن تؤخذ من مفهوم قوله: الميت يصل إليه كل شيء، وهي كلمة تحتاج إلى تفصيل، إذ لا يصح أن يصل إلى الميت كل شيء من عمل الغير حتى عند الإمام أحمد نفسه، كما سيأتي بيانه، فالقول: بأن جواز الأضحية عن الميت هو ظاهر المذهب إنما يتمشى على الاصطلاح الحديث من أن المذهب هو ما اتفق عليه الإقناع و المنتهـى، وقد قالا بجواز ذلك أو استحبابه، فهذا شيء ونسبة القول به إلى الإمام أحمد شيء آخر.

وأسبق من رأيناه طرق موضوع الكلام في المسألة هو أبو داود في سننه حيث قال: باب الأضحية عن الميت، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش، قال: رأيت عليًّا يضحي بكبشين، فقلت له: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله أوصاني أن أُضحي عنه فلا أزال أضحي عنه. ورواه الترمذي في جامعه بلفظه ومعناه وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ثم قال صاحب تحفة الأحوذي على الترمذي: حنش هو أبو المعتمر الصنعاني، وقد تكلم فيه غير واحد، قال ابن حبان البستي: كان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن علي بأشياء لا تشبه حديث الثقات، حتى صار ممن لا يحتج به، وشريك: هو أبو عبد الله القاضي فيه مقال، وقد أخرج له مسلم في المتابعات([38]). انتهى. وأبو الحسناء: هو مجهول لا يعرف. قاله ابن حجر في التقريب، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: هذا حديث مجهول.

ثم قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم أن يضحى عن الميت ولم ير بعضهم أن يضحى عنه، وقال عبد الله بن المبارك: أحب إلي أن يتصدق عنه ولا يضحى، فإن ضحى فلا يأكل منها شيئًا ويتصدق بها كلها. وأخرجه البيهقي في سننه، وقال: إن ثبت هذا كان فيه دلالة في التضحية عن الميت، ومن المعلوم عند أهل الحديث عدم ثباته وأنه ضعيف لا يحتج به. ثم قال صاحب تحفة الأحوذي على الترمذي: قلت: إني لم أجد في التضحية عن الميت منفردًا حديثًا صحيحًا مرفوعًا، وأما حديث علي المذكور في هذا الباب فضعيف، كما عرفت.

وقد أخذ بعض الفقهاء بظاهر حديث علي ولم ينظروا إلى ضعفه في سنده ومتنه ولا إلى عدم الاحتجاج به ولا إلى عدم عمل الصحابة بموجبه، لأن أكثر الفقهاء يتناقلون الأثر على علاته بدون تمحيص ولا تصحيح وينقل بعضهم عن بعض حتى يشتهر وينتشر ويكون كالصحيح، وكل من تدبر أقوال الفقهاء القائلين بجواز الأضحية عن الميت مطلقًا، أو بجوازها متى أوصى بها أو وقف وقفًا عليها، وجدهم يستدلون على ذلك بحديث علي هذا، أن النبي أوصاه أن يضحي عنه، لظنهم أنه صحيح، لأن غالب الفقهاء لا يعرفون الصحيح من الضعيف معرفة تامة، فينشأ أحدهم على قول لا يعرف غيره ولم يقف على كلام أهل الحديث في خلافه وضعفه فيظنه صحيحًا، ويبني على ظنه جواز العمل به والحكم بموجبه، وقد استأنسوا في هذا الباب بما روي عن أبي العباس السراج، وكان أحد مشايخ البخاري أنه قال: ختمت القرآن للنبي اثنتي عشرة ألف ختمة، وضحيت عنه باثنتي عشرة ألف أضحية. ذكر هذه الحكاية ابن مفلح في الفروع في إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى من آخر كتاب الجنائز، وهي حكاية شخص عن فعل نفسه ليست بأهل أن يصاخ لها وليس من المفروض قبول هذه المجازفة الخارجة عن حدود الحق والعدل، إذ ليس عندنا دليل يثبت إهداء الأضحية وتلاوة القرآن إلى رسول الله، ولو كان صحيحًا لكان صفوة أصحابه وخاصة أهل بيته أحق بالسبق إلى ذلك، ولم يثبت عن أحد منهم أنه حج عن رسول الله أو صام أو أهدى ثواب قراءته أو أضحيته إليه، وإنما الأمر الذي عهده رسول الله لأمته هو اتباع هديه والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله وأن يكثروا من الصلاة والتسليم عليه، وأن يسألوا الله له الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه مقامًا محمودًا الذي وعده، هذا هو الأمر الذي شرعه رسول الله لأمته، بخلاف إهداء ثواب القرب الدينية، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا يستحب إهداء القرب الدينية إلى النبي ﷺ بل هو بدعة. قاله في الاختيارات.

فمتى كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه لا يوجد في الأضحية عن الميت حديث صحيح يدل دلالة صريحة على الأمر بها، فضلاً عن أن يكون فيها أخبار متواترة أو مستفيضة امتنع حينئذ التصديق بكون النبي أوصى بها أو شرعها لأمته، ولم ينقل فعلها عن أحد من الصحابة ولا أهل بيته ولا التابعين مع تكرار السنين وحرصهم على محبة الرسول واتباع سنته وتنفيذ أوامره والعادة تقتضي نقل ذلك لو وقع، إذ هي من الأمور الظاهرة التعبدية التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها وتبليغها، لكونهم أحرص الناس على فعل الخير وإيصال ثوابه إلى الغير من موتاهم، فمتى كان الأمر بهذه الصفة علمنا حينئذ أنها ليست بمشروعة ولا مرغب فيها، والتعبدات الشرعية مبنية على التوقيف والاتباع، لا على الاستحسان والابتداع، كما قال بعض السلف: كل عبادة لم يتعبدها رسول الله ولا أصحابه فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقالا.

فإن قيل: بم عرفتم أن الصحابة والتابعين لم يضحوا عن موتاهم؟ قيل: علمنا ذلك بعدم نقله عنهم. وهذه أسفار السنة على كثرتها لا تثبت عن أحد منهم فعلها لا في سبيل تبرعاتهم لموتاهم ولا في أوقافهم ولا الوصايا الصادرة منهم، ومن المعلوم أن الأمور الوجودية يتناقلها الناس من بعضهم إلى بعض حتى تشتهر وتنتشر، كما نقلوا سائر السنن والمستحبات، أما الأمور العدمية التي لا وجود لفعلها، فإن الناس لا ينقلونها إلا عندما يحتاجون إلى ردها وبيان الهدى من الضلال فيها، فلو نقل ناقل أن أصحاب رسول الله كانوا يحجون له أو يضحون له أو يقرءون القرآن ويهدون ثوابه إليه لحكمنا بكذبه لعدم نقله، ولو فتح هذا الباب لاحتج كل واحد لبدعته بما يؤيدها، فتفشو البدع ويفسد الدين.

والمقصود أن الأضحية عن الميت لم يثبت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله مشروعيتها، ولم ينقل عن رسول الله بطريق صحيح الأمر بها، لا بطريق التصريح ولا الإيماء، ولهذا لم يفعلها أحد من الصحابة، فعدم فعلها يعد من الأمر المجمع عليه زمن الصحابة والتابعين واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة.

وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

* * *

أضحية النبي ﷺ عن أمته

قد يحتج من يرى جواز الأضحية عن الميت بأضحية النبي عن أمته ومنهم الأحياء ومنهم الأموات، وأنها كما تكون للأحياء من أمته، فإنها تكون للأموات كما يقوله بعض من يحتج به.

وأصل الحديث ثابت صحيح، قد رواه الأئمة عن جماعة من الصحابة لكنه ليس بصريح في الدلالة على المعنى الذي ذكروا، ولفظه عن جابر قال: صليت مع رسول الله عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه وقال: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وعن علي بن الحسين عن أبي رافع، أن رسول الله كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه، ثم قال: «اللهم هذا عني وعن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ» ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» فيطعمها جميعًا المساكين ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله والمغرم. رواه أحمد، وعن عائشة أن النبي ﷺ أمر بكبش أقرن فأتي به ليضحي به، ثم قال: «يا عائشة اشحذي المدية على الحجر»، ثم أخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد». رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

فهذا هو الفعل الثابت عن رسول الله، وأن كل الأضاحي وقعت عن رسول الله بطريق الأصالة وإنما أشرك أمته معه في ثواب إحدى الأضحيتين، كما أشرك آله في ثواب الثانية، وهي قضية فعل تتمشى على قاعدة الخصوصية بالدلائل القطعية، فلا يقاس عليها غيرها، لأن النبي ﷺ بمثابة الأب الشفيق على أمته {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}([39])، وقد أثبت الله له الولاية التامة على أمته أخص من ولاية كل إنسان على نفسه وأهل بيته، فقال: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}([40]). وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه»([41])، فمن ولايته على أمته أضحيته عنهم كما ضحى عن أهل بيته، إذ هما في الحكم سواء، ومثل هذه الولاية لا تنطبق على غيره، ولو كان فعلها للتشريع والأسوة لاستحب لكل أحد أن يضحي لأمة محمد، كما فعل رسول الله، ولم يقل بذلك أحد، وهذا هو حقيقة ما فهـمه الصحابة في هذه الأضحية، حيث لم يثبت عن أحد منهم أنه ضحى عن رسول الله ولا عن أمة محمد.

ثم إن أضحية النبي ﷺ عن أمته تشمل جميع أمة محمد، الموجودين في حياته والمعدومين ممن سيوجدون بعد وفاته إلى يوم القيامة، وهذه الأضحية بهذه الصفة لا تنطبق على أضحية غيره، إذ لا يجوز الأضحية عن المعدوم كمن سيولد باتفاق الفقهاء، وقد استظهر العلماء من هذه الأضحية سقوط الوجوب عن كافة الناس بها وبقي الاستحباب فيمن قدر عليها من أمة محمد ومن أهل بيته، كما يفهم منه جواز أضحية الشخص بالشاة عنه وعن أهل بيته، لكون الاشتراك في الثواب موسع فيه، لهذا قلنا: إنه متى ضحى الإنسان لنفسه جاز أن يشرك معه في ثواب أضحيته أبويه الميتين، كما يشرك أهل بيته وخدامه في ثواب أضحيته ولو كانوا مائة، لكونه يغتفر في التبع ما لا يغتفر في الاستقلال في كثير من الأحكام، ولأن مثل هذه الأضحية ذبحت في ملك الحي وعلى حسابه، فهي له بطريق الأصالة وهذا هو الأمر المشروع في الأضحية. ونحن إنما نتكلم على إفراد الميت بالأضحية، وأنه عمل غير مشروع، لهذا يعد من الخطأ في التصرف كون الإنسان يضحي عن أبويه الميتين وينسى نفسه على نسبة عكسية من مشروعية الأضحية، أشبه من يخرج صدقة الفطر عن ميته ويترك نفسه، إذ هما في فساد التصرف سواء.

وهذه الأضحية التي أشرك رسول الله أمته في ثوابها شاملة لجميع أمة محمد، الأحياء منهم والأموات، ومن في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ومن سيوجد من هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولا يجوز هذا الفعل بهذه الصفة من غيره، فلا يجوز للشخص أن يضحي لشخص آخر ليس من أهل بيته بغير إذنه، كما أنه لا يجوز أن يضحي عما في بطن امرأته، فمتى بطل القول بهذا من غير النبي ﷺ بطل القول بذاك، وهذا يؤيد ما قلنا: من أن هذه الأضحية تتمشى على طريقة الخصوصية، فلا يقاس عليها، إذ لو كانت للتشريع لاستحب لكل واحد أن يضحي عن أمة محمد، كما فعل رسول الله ﷺ وحيث لم يقل بذلك أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من العلماء المعتبرين، علم به سقوط الاحتجاج بموجبه، وأما رواية: «اللهم هذه عن محمد وعمن لم يضح من أمة محمد»([42])، فإن الأمر فيها ظاهر جلي، وذلك أن النبي ﷺ قام بأداء هذه الفضيلة عن الفقراء العاجزين من أمته ليساويهم بالأغنياء المضحين في تقديم القرابين لله رب العالمين، فلا ينبغي أن يحزن العاجز الفقير وقد ضحى عنه البشير النذير، وقد استظهر العلماء من هذا الحديث سقوط الوجوب عن جميع الناس ويبقى الاستحباب في حق من قدر عليها، وقد اتفق الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد ومالك والشافعي على كراهة تركها لقادر عليها. كما أن الإمام أبا حنيفة يقول بوجوبها. ثم يقال: كيف يحمل هذا الحديث عدد من الصحابة ويشتهر من بينهم؛ لكون النبي ﷺ ذبح أضاحيه بمصلى العيد بمرأى من جميع الناس ومسمع ثم لم يعمل به أحد منهم لو كان الأمر للتشريع كما زعموا؟! وقد قال الطحاوي في شرح الآثار: إن هذا الحديث صحيح لكنه مخصوص به ﷺ أو منسوخ. وقال صاحب تحفة الأحوذي شرح الترمذي: أما تضحية رسول الله لأمته وإشراكهم معه في أضحيته فمخصوص به، وأما أضحيته عن نفسه وآله فليس بمخصوص به ولا منسوخًا، والدليل على ذلك أن الصحابة – رضي الله عنهم- كانوا يضحون بالشاة الواحدة، يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ولم يثبت عن أحد من الصحابة التضحية عن أمة محمد أو إشراكهم معه في أضحيته البتة. انتهـى.

وهذا الحديث -أي أضحية النبي لأمته- قد اتخذه بعض الأحناف قاعدة أساسية في إهداء ثواب الأعمال إلى الأموات، لكنهم يمنعون من فعل الأضحية عن الميت لكونها تتوقف عندهم على الإذن ولا إذن لميت، ولأنها إتلاف مال وإزهاق أرواح حيوان في عمل غير مشروع، ومنهم من قال بجواز ذلك، كما ستراه فيما يلي، قال في غنية الألمعي([43]): إن قول من رخص في الأضحية عن الميت مطابق للأدلة ولا دليل لمن منعها، وقد ثبت أن النبي كان يضحي بكبشين: أحدهما عن أمته ممن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، والآخر عن نفسه وأهل بيته، ومعلوم أن كثيرًا من أمته قد ماتوا في عهده فدخل في أضحيته الأحياء والأموات من أمته، وهذا الكبش الذي يضحي به للأحياء من أمته هو للأموات من أمته أيضًا، إذ لا فرق في ذلك ولم يثبت أن النبي كان يتصدق بذلك الكبش كله ولا يأكل منه شيئًا، بل قال أبو رافع: إن رسول الله كان يطعم منها المساكين ويأكل هو وأهله، ولم يحفظ عنه خلافه فإذا ضحى الرجل عن نفسه وعن بعض أمواته، جاز ذلك وجاز أن يأكل هو وأهله من تلك الأضحية، وليس عليه أن يتصدق بها كلها، نعم إن خص الأضحية للأموات من دون شركة الأحياء، فهي حق للمساكين، كما قاله عبد الله بن المبارك. انتهى.

وأقول: إن صاحب غنية الألمعي جعل في تقريره إحدى الأضحيتين عن أمة محمد، على سبيل الانفراد وكأنه لم يعرف أصل النصوص الواردة في هذا الخصوص، فإنه ليس في شيء منها ذكر الأضحية عن أمة محمد على سبيل الانفراد حسب ما يدعيه، لأن أكثر الفقهاء لا يعرفون الأحاديث معرفة تامة، ولم يقفوا على حقيقة أقوال المحققين لها، فينشأ أحدهم على قول قد راج بين الناس لفظه وهو لا يعرف صحته من ضعفه، فيظنه صحيحًا فيبني في القول به على ظنه لكونه لا يعرف غيره، ولفظ حديث أبي رافع الذي استدل به، أن رسول الله كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه، ثم قال: «اللهم هذا عني وعن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ»، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» رواه الإمام أحمد، وعن جابر قال: صليت مع رسول الله عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، وقال: «بسم الله والله أكبر اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي، فهذا هو الأمر الثابت عن رسول الله، وليس في شيء منها ذكر الأضحية عن أمة محمد على سبيل الانفراد، وإنما أشرك أمته معه في ثواب إحدى الأضحيتين، كما أشرك أهل بيته في ثواب الثانية، وكلتا الأضحيتين وقعتا بطريق الأصالة عن رسول الله ﷺ وإنما أشرك من ذكر في الثواب، وقد قال صاحب تحفة الأحوذي([44]) على الترمذي في تعقيبه على كلام غنية الألمعي: قلت: إني لم أجد في التضحية عن الميت منفردًا حديثًا مرفوعًا صحيحًا.

وهذا الحديث في أضحية النبي عن أمته، وحديث علي أن النبي أوصاه أن يضحي عنه، هما حجة من يقول بجواز الأضحية عن الميت، والحجة بهما غير ناهضة للمعنى الذي ذكرناه؛ أما حديث علي، فإنه ضعيف متروك لا يحتج به، وأما أضحية النبي عن أمته، فإنه يتمشى على الخصوصية، فلا يقاس على غيره.

وكل من تدبر النصوص الدينية من الكتاب والسنة وفعل الصحابة يتبين له بطريق جلية أن الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء، أشبه مشروعية صلاة العيد على السواء وأشبه مشروعية صدقة الفطر عند عيد الفطر تشريفًا لعيد الإسلام الذي هو عيد الحج الأكبر، واتباعًا للسنة في إراقة الدم فيه لله رب العالمين، ليكون عيد الإسلام هو العالي على أعياد المشركين، وما يقرّبونه فيها لآلهتهم من القرابين، وفيها إظهار للفرح بالعيد، وإدخال للسرور على الأهل بالتنعم بأكل اللحم فيه، ولهذا كان النبي ﷺ يذبح أضاحيه بمصلى العيد، تعظيمًا لشأن هذه الشعيرة وإشهارًا لشرفها من الشريعة، وكان يقسم الأضاحي بين أصحابه لتعميم العمل بها وإدخال السرور عليهم بفعلها، وقد أجاز الفقهاء من الحنابلة الأضحية لليتيم من ماله، لإدخال السرور عليه بها، وكذلك المرأة تضحي من مال زوجها بغير إذنه وعدّوها من النفقة بالمعروف.

وهذا هو عين ما فهمه الصحابة من حكمة الأضحية، كما قال عطاء بن يسار: سألت أبا أيـوب الأنصاري، فقلت: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله؟ قال: كان الرجل في عهد النبي يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصاروا كما ترى. رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.

فكيف يمكن أن يقال بعد هذا إن النبي ﷺ ضحى بالشاة عن أمته ليفهم منه جواز الأضحية عن الموتى، والفعل لا يحتمله ولا يمُتُّ له بصلة، ولم يُنقل عن علماء الصحابة والتابعين القول به، ولا العمل بموجبه، وقد توفيت خديجة زوج النبي، وكان رسول الله يحبها ويكثر من ذكرها، ويكرم صديقاتها ولم يضح عنها، وتوفي ابنه إبراهيم ولم يضح عنه، وتوفيت ثلاث من بناته ولم يضح عن واحدة منهن.

فإن قيل: إن هؤلاء قد دخلوا في ضمن أضحيته لأهل بيته. قلنا: نعم، وكذلك أموات المسلمين قد دخلوا في ضمن أضحيته لأمته، فلا معنى لتكرار الأضحية عنهم، إذ من المعلوم أن أضحية النبي لموتاهم أقرب للقبول من أضحية أحدنا لميته.

وبهذا يعد القول بجواز الأضحية عن الميت فهما خاطئا ليس له مستند من الصحة لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة ولا السلف الصالح، إذ لو كان لها أصل في الشرع لكان السلف الطيب أحق بالسبق إليه لمسارعتهم إلى فعل الخير وحرصهم على إيصال ثوابه إلى الغير من موتاهم، ولمّا كان القول بهذا قد يكون مستغربًا عند كثير من الناس، بحيث يخشى أن تنفر منه نفوسهم ولم تطمئن إليه قلوبهم لعدم اعتيادهم لسماعه، فضلاً عن العمل به، وإنما ألفوا خلافه، أحببت توطيد ثباته بما يكون كالمؤنس له من أقوال فقهاء الأئمة الأربعة، احترازًا مما قد يسبق إليه الوهم ويسوء فيه الفهم من دعوى الشذوذ به أو عدم سبق العمل بموجبه مما يتوهم أنه خلاف الصواب، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.

* * *

فصـل

وأما القول: بمنع الأكل من أضحية الميت لكونها – بزعمهم – حقًّا للمساكين كما يقوله عبد الله بن المبارك ومن أخذ برأيه، كما هو الظاهر من مذهب الشافعي وأبي حنيفة. فهذا المنع ليس له مستند من الصحة، فإن الله سبحانه أباح الأكل من لحوم الأضاحي على الإطلاق، فقال: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} -أي سقطت بالأرض بعد ذبحها- {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}([45])، ولأن الإنسان يشتري الأضحية ويذبحها لميته على سبيل التبرك ومن نيته أن يأكل هو وأهله وعياله منها، كما يفعل بأضحيته بنفسه، فهذا هو المتعارف عند الناس والفعل العرفي كالشرط اللفظي، ولكل امرئٍ ما نوى، ولم نجد دليلاً يحرم الأكل منها على المتقرب بها، لكونه ليس في نيته ولا من قصده أن يتصدق بها كلها، أشبه دم المتعة والقران، حيث قال بعض الفقهاء بمنع الأكل منه لكونه دم جبران، والصحيح إباحة الأكل منه، فإن الله سبحانه أباح الأكل منها، وقد أكل رسول الله وأزواجه وأصحابه منها، لكونها دم نسك وليست بدم جبران.

ومثله قول من يقول: إن الأضحية متى عينها صاحبها لم يجز له الأكل منها، كما هو ظاهر مذهب الشافعي، والتعيين هو أن يقول: هذه أضحية. فتصير واجبة بالتعيين ويحرم عليه الأكل منها عندهم، وهذا التحريم ليس له مستند من الصحة لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة والتابعين، فإن الإنسان متى اشترى أضحيته وسأله سائل عنها، قال: هذه أضحيتي. ولن تحرم عليه بهذه الكلمة، كما في البخاري عن أبي أمامة بن سهل، قال: كنا نسمّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمّنون. فهؤلاء الصحابة والمسلمون لا يتحاشى أحدهم من قوله: هذه أضحيتي. ولا يرون هذه الكلمة تحرم عليهم ما أحل الله لهم من لحم نسكهم، ومثله لما قسم النبي الأضاحي بين أصحابه، إذ من المعلوم أن أحدهم سيقول: هذه أضحيتي. وهم أعرف الناس، هذا كبش أريد أن أذبحه يوم العيد، فتكون مباحة الأكل عندهم، فالتحليل والتحريم يرجع إلى التلفظ بهذه الكلمة وهو ضعيف جدًّا، وإنما الذي يمتنع الأكل منه على صاحبه هو دم الكفارات على الإطلاق، كدم جزاء الصيد، وكذا الدم الواجب لترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظوراته، وكمن نذر أن يتصدق ببدنة أو شاة فيمتنع الأكل منها، لأنه لو أكل منها لم يصدق عليه أنه أخرج فداء كاملاً، وليس كذلك الأضحية عن الميت، سواء وقعت عنه بطريق الانفراد أو الاشتراك، وسواء قلنا إنها شرعية أو غير شرعية، لأنها إن لم تكن شرعية فإنها ذبيحة لحم مباحة الأكل له ولأهله، أشبهت أضحية أبي بردة بن نيار، التي ذبحها قبل صلاة العيد فكانت غير شرعية، وأخبر النبي ﷺ بأنها شاة لحم عجلها له، أي مباحة الأكل، وكذلك الأضحية عن الميت، وهذا هو ظاهر المذهب، قال في الإقناع و شرحه: وأضحية عن ميت كأضحية عن حي من أكل وصدقة وهدية. انتهى. حتى ولو نذر ذبح أضحية جاز له الأكل منها، قال في الشرح الكبير: وإذا نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها فله أن يأكل منها، لأن النذر محمول على المعهود والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها والأكل منها. انتهى.

يبقى الكلام في الأضاحي التي أوصى بها الأموات والتي تذبح من غلة الأوقاف والوصايا بأمر الموتى، فهذه بمثابة الوقف الخيري والوصية في فعل البر والخير، فلا يحل للمتولي أكلها مع غناه عنها لكونها حقًّا للفقراء والمساكين، وفرق بين هذه الأضحية وبين أضحية المتبرع بالصدقة بها، فإن أضحية المتصدق تذبح على ملكه، وإنما ثوابها لميته، فجاز له الأكل منها كأضحيته لنفسه، أما الأضحية من وقف الميت أو وصيته، فإنها تذبح على ملك الميت وتصرف في مصارفهـا الشرعية من الصدقة بها ويكون المتولي لها بمثابة المتولي لمال اليتيم {يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}([46]) والأصل كونها للفقراء والمساكين.

قال في رد المحتار لابن عابدين: ولو ضحى عن ميت وارثه بأمره، أي بأمر الميت في نحو وصية أو وقف ألزم بالتصدق بها وعدم الأكل منها، وإن تبرع بها عن الميت فله الأكل، لأنها تقع على ملك الذابح والثواب للميت.

أقوال فقهاء المذاهب الأربعة

في الأضحية عن الميت

(ا) مذهب الإمام مالك – رحمه الله -:

قال في كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: وكره فعلها، أي الأضحية عن ميت كالعتيرة، وقال في التوضيح: قال مالك في الموَّازية: ولا يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين، قال في الشرح الكبير: وإنما كره أن يضحى عن الميت، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف، وأيضًا فإن المقصود بذلك المباهاة والمفاخرة. وقال في المنتقى شرح الموطأ: روى محمد عن مالك قال: لا يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين، قال في الشرح: لكون الأضحية من أحكام الحي.

وقال في الشرح الكبير للدردير: وكره فعلها عن الميت إن لم يكن عينها قبل موته وإلا ندب للوارث إنفاذها.

وقال في حاشية الدسوقي تحت قوله: وكره فعلها عن ميت. قال: فإن فعلت عنه وعن الميت لم يكره.

(2) مذهب الإمام الشافعي – رحمه الله -:

المشهور من مذهب الإمام الشافعي، أن ما عدا الواجب والصدقة والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه، فلا يصل إليه ثواب الأضحية ولا القراءة ولا حج التطوّع.

قال في تحفة المحتاج شرح المنهاج: ولا تقع أضحية عن ميت إن لم يوص بها، ويفرق بينها وبين الصدقة، أنها -أي الأضحية- تشبه الفداء عن النفس فتوقفت على الإذن ولا إذن لميت بخلاف الصدقة، فمن ثم لم يفعلها وارث ولا أجنبي، بخلاف نحو حج واجب وزكاة وكفارة، لأن هذه تشبه الديون ولا كذلك التضحية، أما إذا أوصى بالأضحية فتصح كما صح عن علي أن النبي ﷺ أمره أن يضحي عنه كل سنة([47]). وقال في حاشية الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: ولا تجزئ تضحية لأحد عن آخر ولو كان ميتًا كسائر العبادات، وقال النووي في المجموع شرح المهذب: لو ضحى عن غيره بغير إذنه لم يقع، وأما التضحية عن الميت فقد أطلق أبو الحسن العبادي جوازها، لأنها ضرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع.

وقال صاحب العمدة والبغوي: لا تصح التضحية عن الميت إلا أن يوصي بها وبه قطع الرافعي في المجرد، واحتج العبادي وغيره في التضحية عن الميت بحديث علي: أنه كان يضحي بكبشين عن النبي ﷺ وقال: إن رسول الله أوصاني أن أضحي عنه([48]). انتهى.

فقد عرفت أن كثيرًا من الفقهاء لمّا سمع بحديث علي أخذ بظاهره حين ظنه صحيحًا، فمنهم من بنى عليه القول بصحة الأضحية عن الميت مطلقًا، ومنهم من بنى عليه القول بصحة الوصية بها والوقف عليها، والحق أن هذا الحديث ضعيف متروك لا يحتج به، كما حقق ذلك أهل الحديث.

(3) مذهب الإمام أبي حنيفة – رحمه الله -:

المشهور من مذهب الأحناف، أنه لا أضحية لميت لعدم مشروعيتها، قال في بدائع الصنائع: وإذا اشترك سبعة في بدنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضي ورثته أن يذبح عن الميت جاز ذلك استحسانًا، والقياس أنه لا يجوز، ووجه القياس أنه لمّا مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح، وذبح الوارث لا يقع عنه، إذ الأضحية عن الميت لا تجوز وأنه يمنع من جواز ذبح الباقين للأضحية، ووجه الاستحسان أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت، بدليل أنه يجوز أن يتصدق عنه ويحج عنه ص72- ج5.

وذكر في المبسوط للسرخسي و فتح القدير و شرح الوقاية، نحو ذلك، وأن من العلماء من استحسن الذبح بإذن الورثة، وتقع عن الميت قياسًا على الصدقة، وأن منهم من منع ذلك آخذًا بظاهر المذهب من أنه لا أضحية لميت، ولأن الذبح إتلاف والإتلاف لا تبرع فيه عن الميت.

(4) مذهب الحنابلة:

إنه بمقتضى التتبع والاستقراء لكتب المتقدمين من الحنابلة مثل: كتاب المغني على سعته وشموله، وكذا الكافي و الخرقي و الشرح الكبير و المقنع و المحرر و المذهب الأحمد و الإنصاف و زاد المعاد و إعلام الموقعين وكذا المنتقى و الإلمام في أحاديث الأحكام، كل هذه الكتب المعتمدة لم نجد في كتاب واحد منها ذكر الأضحية عن الميت، لعدم العمل بها أو لندرة وقوعها في زمنهم، وإنما يذكرون الأضحية عن الحي، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، ولم نجد عن الإمام أحمد نصًّا في المسألة، لا جوازًا ولا منعًا، فلا يجوز نسبة القول بالجواز إليه إلا عند وجود ما يدل عليه إلا أن يؤخذ من مفهوم قوله: الميت يصل إليه كل شيء. وهي كلمة تحتاج إلى تفصيل كما سيأتي بيانه، وأسبق من رأيناه تكلم فيها من الحنابلة هو شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- فقد سئل عن الأضحية عن الميت، فقال: يجوز أن يضحى عنه كما يحج عنه، ونقل صاحب الاختيارات عنه أنه قال: التضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها.

وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية: سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: أيهما أفضل الصدقة عن الميت أو الأضحية؟ فأجاب: هذه المسألة اختلف العلماء فيها، فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل، وهذا القول أقوى في النظر، وذلك لأن التضحية عن الميت لم تكن معروفة عند السلف، إلا أنه روي عن علي، أنه كان يضحي عن النبي ﷺ ويذكر أن رسول الله أوصاه بذلك، والحديث ليس في الصحاح، وبعض أهل العلم تكلم فيه، وبعض الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره وقال: لا يضحى عن الميت إلا أن يوصي بذلك، وإن لم يوص فلا يذبح عنه، بل يتصدق بثمنها، فإذا كان هذا صورته فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله.

وقال في المنتهى: وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي. وقال في الإقناع: وذبحها ولو عن ميت وذبح العقيقة أفضل من الصدقة بثمنها، ثم قال منصور في شرحه: صرح به ابن القيم في تحفة المودود وابن نصر في حواشيه؛ لأن النبي ﷺ ضحى والخلفاء، ولو كانت الصدقة أفضل لعدلوا إليها، ولحديث عائشة مرفوعًا: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم»([49]). انتهـى. فقد عرفت كيف فرع ما ثبت عن رسول الله وعن الخلفاء في الأضحية الشرعية التي هي أضحية الحي على الأضحية عن الميت، لكون الكلام يعود على أقرب مذكور، ثم أكد ذلك بعزوه إلى العلامة ابن القيم في تحفة المودود، وابن القيم لم يتعرض للأضحية عن الميت بذكر، لا في تحفة المودود ولا في غيره، وإنما ذكر العقيقة عن المولود، وأن ذبحها أفضل من التصدق بثمنها، قال الخلال: أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: سئل أبو عبد الله، وأنا أسمع، عن ذبح العقيقة أحب إليك أو يدفع ثمنها إلى المساكين؟ قال: العقيقة. وقال له صالح ابنه: الرجل يولد له وليس عنده ما يعق أحب إليك أن يستقرض ويعق عنه أم يؤخر ذلك حتى يوسر؟ فقال: أشد ما سمعت في العقيقة حديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «كل غلام رهينة بعقيقته»([50])، وإني أرجو إن استقرض أن يعجل الله له الخلف، لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله. انتهـى([51]).

فهذا الكلام وقع منه في تفضيل ذبح العقيقة على التصدق بثمنها، وهو أمر مجمع عليه بين الأئمة الأربعة، بلا خلاف، كما أن ذبح الأضحية لخاصة الحي أفضل من الصدقة بثمنها، باتفاق الأئمة الأربعة على ذلك أيضًا بخلاف الأضحية عن الميت، فقد قال مالك والشافعي وأبو حنيفة بعدم فعلها عنه لعدم ما يدل على مشروعيتها. وأما قول صاحب المنتهى: وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي، فإنه باطل قطعًا، لا يعبأ به من له أدنى معرفة بالنصوص، لكون الأضحية إنما شرعت في حق من أدركه العيد من الأحياء، أشبه مشروعية صلاة العيد على السواء، وأشبه مشروعية صدقة الفطر فيمن أدرك عيد الفطر، فهذا هو الأمر الثابت بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين فلا أدري في أي آية من كتاب الله أو حديث صحيح عن رسول الله وجدوا فيه مشروعية الأضحية عن الميت، فضلاً عن القول بتفضيلها على أضحية الحي الثابت فضيلتها بالنص والإجماع؟! ويقابله في البطلان قول صاحب الإقناع: من أن ذَبح الأضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. فإن الأضحية عن الميت فيها الخلاف الكبير، إذ أكثر أئمة المذاهب يقولون بعدم مشروعيتها، لهذا تجد الأضحية عن الميت غير معروفة ولا معمول بها في سائر الأمصار التي ينتحل أهلها العمل بالمذاهب الثلاثة، كالشام ومصر والعراق وفارس واليمن، فليس لها ذكر عندهم لا في أوقافهم ولا وصاياهم ولا سائر تبرعاتهم، فكيف يقال بتفضيل ما فيه الخلاف الكبير على الصدقة الثابت فضلها ووصول نفعها إلى الميت بالنص والإجماع، فقياس الأضحية عن الميت على أضحية الحي قياس مع الفارق.

* * *

أول من نقل عنه القول بتفضيل

ذبح الأضحية عن الميت

إن القول بتفضيل ذبح الأضحية عن الميت على الصدقة عنه هو مقتبس من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- إن صح ذلك عنه، فقد نقله ابن اللحام في الاختيارات، كما أشار إليه صاحب الفروع قائلا: واختار شيخنا تفضيل الأضحية عن الميت على الصدقة، ولم أر من سبقه إلى هذا القول من سائر علماء المذاهب، ولسنا نسقط رأيه في هذه القضية بنظريات اجتهادية من عندنا، وإنما نسقطه بما ظهر لنا من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، والله يعلم أننا من أشد الناس محبة لشيخ الإسلام، واحترامًا له، ونفضل آراءه في كثير من المسائل التي خالف فيها أئمة المذاهب لرجحانها عندنا بالدليل، ونحن إذ نرد كلامه في هذه القضية، فإنما نرد كلامه بكلامه، فهو الذي عوّدنا معارضة كل قول يخالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، مع قطع النظر عن قائله، إذ الحق فوق قول كل أحد.

وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة حكم الله ورسوله وما عليه إجماع الصحابة في مثل هذه المسألة، أو أن يكون قصده معرفة ما قاله إمام مذهبه وفقهاؤه أو ما قاله الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه.

وقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله: إن كل من له سعة علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن العالم الجليل الذي له في الإسلام قدم راسخ وقلم خالص وعلم واسع وآثار حسنة، أنها قد تكون منه الزلة هو فيها معذور، بل ومجتهد مأجور، فلا يجوز أن يتبع على زلته ولا أن يهدر من أجلها مكانته وإمامته، لأن سعة علمهم وفضلهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه وما وقع في فتاويهم من المسائل التي قالوا فيها بمبلغ علمهم واجتهادهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة ولا تنقصهم من أجلها، بل نسلك بهم مسلك الصحابة في مخالفة بعضهم لبعض، فإنهم لا يؤثمون المجتهد المخطئ ولا يعصمونه ولا يقبلون كل أقواله. انتهـى.

والذي جعل شيخ الإسلام يغفل عن تحقيق هذه القضية على الوجه الشرعي المطلوب هو عدم الابتلاء بها في زمنه، على أنه إمام المحققين ورأس المدققين لأن الابتلاء بالشيء يستدعي التوسع في العلم به أكثر من غيره، وما من أحد من الناس إلا ويخفى عليه شيء من أمر السنة في وقت ثم يذكره في وقت آخر، والعلم ذو شجون يستدعي بعضه بعضًا، وسبحان من أحاط بكل شيء علمًا. ومن تربى على مذهب قد تعوّده واعتقد صحة ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية ولا تنازع العلماء فيها، فإنه لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول ولا يقنع بحجة القرآن وما جاء عن الصحابة والسلف الكرام، وبين ما قاله علماء مذهبه مع تعذر إقامة الحجة على صحته، ومن كانت هذه صفته فإنه يعد من المقلدين الناقلين لأقوال غيرهم والمقلد لا يعد من أهل العلم.

ولقد كنا قبل أن نستقصي في البحث والتحقيق عن هذه القضية، وقبل أن نقف على دلائلها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأقوال الأئمة، نظن كل الظن أن الأضحية من أفضل ما يعملها الحي للميت، وأنها في فضلها ووصول نفعها ترتفع عن مجال الشك والإشكال، من أجل رواجها في الأذهان.

ولشيخ الإسلام الأجر الجزيل والثناء الجميل من الله إن شاء الله، ومن الناس حتى فيما أخطأ فيه ولا يكون المنتصر لمقالته بمنزلته في حصول الأجر وحط الوزر، بل فرضه الاجتهاد والنظر حتى يتبين له الحق فيأخذ به، وقد أعرض العلماء عن العمل ببعض اختياراته، لما تبين أن الراجح خلافها، وهو نفسه لا يرضى أن يقلده أحد فيما أخطأ فيه ويجعله شريكًا لله في التشريع وأمور التحليل والتحريم.

إذ لو كان للأضحية عن الميت أصل في الشرع، أو أنه مرغوب فيها، أو أنه يصل ثوابها لما جهلها الصحابة والسلف الأول، ولو علموها لما أهملوا العمل بها لكونها تعد من العبادات العملية التي يهتم بها الصحابة والسلف الصالح، بالعمل بها، ثم تبليغها حتى تتوفر الهمم والدواعي على نقلها بالتواتر، كما نقلوا سائر السنن والمستحبات، ومع عدم ما يدل على ذلك علمنا حينئذ أنها ليست بمشروعة، ولا مرغب فيها، لأنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب.

* * *

الأسباب والمقتضيات

في توسع الناس في الأضاحي عن الأموات

إنه بمقتضى التتبع والاستقراء لكتب فقهاء الحنابلة المتقدمين، مثل: المغني على سعته، و إعلام الموقعين، و الخرقي، و الشرح الكبير، و المحرر، و الكافي، و المقنع، و النظم، و المذهب الأحمد، و زاد المعاد، و الإنصاف، لم نجد في كتاب واحد ذكر الأضحية عن الميت لا جوازًا ولا استحبابًا، فعدم ذكرهم لها يدل على عدم وجود فعلها في زمنهم، لأن العلماء إنما يعتنون بذكر الأمور الوجودية فيذكرون عنها ما تقتضيه أمانة التبليغ من الجواز والمنع، أما الأمور العدمية التي لا وجود لفعلها فلا يذكرونها إلا حينما يتصدون للرد عليها عند بوادر ابتداعها، من ذلك الأضحية عن الميت والقول بتفضيلها فإنها لم تكن معروفة ولا معمولاً بها زمن الصحابة والتابعين والفقهاء المتقدمين.

وأقدم من قال بتفضيلها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما نقله عنه ابن اللحام، ولم نر من سبقه إلى القول بذلك لا من فقهاء الحنابلة ولا من غيرهم، وقد أخذ ذلك صاحب المنتهى فصاغه بقوله: وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي. وقال صاحب الإقناع: وذبحها – أي الأضحية – ولو عن ميت أفضل من الصدقة بثمنها.

ولمّا انتشر بين الناس كتاب الإقناع و المنتهى وتقرر عند المتأخرين أن المذهب هو ما اتفق عليه الكتابان ووجدوا فيهما هذا التفضيل، وتقوى صحته في نفوسهم بنسبته إلى شيخ الإسلام، بحر العلوم ومفتي الأنام ومفخر السلف الكرام، وقد أودع الله محبته في قلب الخاص والعام.

فلأجله استقر فضلها في الأذهان وجرى العمل بها من العلماء الأعلام، وتبعهم على العمل بها سائر العوام في الوصايا والأوقاف، وأخذوا يتوسعون في العمل بها عامًا بعد عام.

وليس بلازم أن يكون كل ما يكتبه العالم أو يفتي به يصير حجة على الناس بدون دليل يؤيده، فإن العالم مهما بلغ في سعة العلم والمعرفة، فإنه قد يزل ولا بد فيتبعه الناس على زلته، وقد يقول ما يعجزه أن يقيم الحجة على صحته، فيطبع وينشر وتحفل به الجماهير والخلق الكثير، وترسخ حقيقته في ذهن الصغير والكبير حتى يصير كالصحيح ويصير من الصعب مزاولة الناس في العدول عنه إلى الحق المنصوص عليه بدله.

وقد قلنا: إن الأضحية في خاصة الحي أفضل من الصدقة بثمنها، حتى باتفاق الأئمة الأربعة، أما الأضحية عن الميت فإنه لم يثبت مشروعيتها لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة، فكانت الصدقة بثمنها أفضل من ذبحها.

فإن قيل: إن في الأضحية عن الميت تقربًا إلى الله بإراقة دمها في ثوابه وصدقة بلحمها. قلنا: نحن لا نتكلم عن اللحم المركوم بعد ذبحه والذي لو لم يتصدق به أو يهدى منه لأنتن حتى يقذف به في بطون الكلاب أو في محل غير مستطاب، ولأنه ليس المقصود من الأضحية مجرد التصدق بلحمها بعد إراقة دمها، فإن ذلك مستحب وليس بواجب، فلو أكلها كلها إلا قدر قشة جاز كما أن الأضحية لا تسمى صدقة والصدقة لا تسمى أضحية ولكل شيء حكمه على حسب مسماه.

وإنما نتكلم الآن مع ولاة الأوقاف والوصايا والذي يجتمع عند أحدهم قدر الخمسين والستين من الأغنام، يريد أن يجزرها في مقام واحد كلها أضاحي عن الأموات، وعند الثاني والثالث مثل ذلك وكذا المتبرعون بأفعال الخير، بحيث يموت الرجل العظيم من عالم أو حاكم أو تاجر فينتدب كل واحد من أبنائه وأرحامه بأضحية عنه، بحيث يضحى له في يوم واحد بعشرين كبشا أو أقل أو أكثر، ومن لوازم هذا التصرف إتلاف المال وإزهاق أرواح الحيوان الذي يجب ألاّ يسفك دمه إلا بحق، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء.

فإن كان ذبح مثل هذه الأغنام يقع بطريق شرعي فسبيل من هلك ومن قتل في حق فالحق قتله، وإن كان قتلها بطريق غير شرعي وأنه ليس له أصل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل الصحابة، وجب العدول عنه إلى الصدقة بثمنها المنصوص عليها بدل ذبحها لكونها أنفع للحي والميت، وأقرب إلى طاعة الله ورسوله، والصرف إلى مثل هذا يعد من الإصلاح بالعدل الذي رفع الله الإثم عن فاعله في قوله: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}([52])، كما أرشد النبي ﷺ سعدًا، بأن يتصدق عن أمه([53])، وكما أرشد أبا طلحة بأن يتصدق ببيرحاء على أقاربه([54])، وكما أرشد عمر بن الخطاب بأن يتصدق بغلة وقفه على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف([55])، وكما قال لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان مسلمًا فتصدقت عنه نفعه»([56])، وكما أخبر بأن الصدقة الجارية هي الباقية للشخص بعد موته([57])، والواقف والموصي إنما يبذل ماله في سبيل ما يقرّبه من رضى ربه وينفعه في آخرته، وقد ظن أن الأضحية هي أفضل ما يفعله أو أنها بمثابة فكاك رقبته من عذاب ربه أو أنها مطيته على الصراط المنصوب على متن جهنم، كما روى الحديث الموضوع في ذلك، والعامي مشتق من العمى، فهو يحتاج إلى من يدله على الطريق ويبين له ما ينبغي أن يفعله لآخرته، على سبيل التحقيق وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن أوصى بمال في ختمات يهدى إليه ثوابها، وقصده بذلك التقرّب إلى الله، بأنه ينبغي صرف هذا المال إلى فقراء محاويج؛ لأن الصدقة أفضل من عمل ختمة، فمتى كان الأمر بهذه الصفة، فإن الوقف أو الوصية بالأضحية أحق بالصرف من هذا لعدم ما يدل على مشروعيتها؛ لأن من شرط صحة الوقف كونه على جهة بر، ونحن لم نتحقق فعل البرّ في الأضحية عن الميت لما ذكرنا، والله أعلم.

* * *

رد القول بتفضيل الأضحية

عن الميت على الصدقة عنه

يجب أن نعلم بأنه ليس كل ما يكتبه العالم أو يفتي به، يكون حجة على الناس بدون دليل يؤيده، لأن العالم قد يقول القول المرجوح الذي يعجزه أن يقيم الحجة على صحته فيطبع وينشر وتحفل به الجماهير والخلق الكثير وترسخ حقيقته في ذهن الصغير والكبير وهو باطل في نفس الأمر والواقع، لهذا ينبغي أن نعرف بأن العالم مهما بلغ في سعة العلم والمعرفة، فإنه قد يزل ولا بد فيتبعه الناس على زلته، وقد شبهوا غلطته بغرق السفينة يغرق لغرقها الخلق الكثير، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ومن استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائنًا من كان، من ذلك القول بتفضيل الأضحية عن الميت على الصدقة عنه، كما حكاه صاحب الإقناع وقد أخذه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن صح ذلك عنه. وكان نسبة هذا القول إليه هو الحجر الأساسي في توسع الناس في الأضاحي عن الأموات، ولم نر من سبق شيخ الإسلام إلى القول بهذا لا من فقهاء الحنابلة المتقدمين ولا من غيرهم من سائر علماء المذاهب، ولم يقع لها ذكر في كتب المتقدمين من الحنابلة، فضلاً عن القول بتفضيلها على الصدقة لكونها غير معروفة ولا معمول بها عند العلماء المتقدمين، كما أنها غير معروفة عند الصحابة والتابعين حتى إنه ليتردد في الذهن عدم صحة نسبة هذا التفضيل إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه قد حكى إجماع العلماء على وصول ثواب الصدقة إلى الميت ولن يستطيع أن يقول بذلك في الأضحية.

مع العلم أن الظاهر من مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة عدم مشروعيتها وكونه لا يصل إلى الميت ثوابها، لهذا تجد الأضحية عن الميت على سبيل الانفراد غير معروفة ولا معمول بها في سائر الأمصار التي يحكم أهلها بمذاهب الأئمة الثلاثة، كالشام ومصر والعراق واليمن وفارس، فلا تذكر في أوقافهم ولا وصاياهم لاعتقادهم عدم مشروعيتها، فكيف يقال بتفضيل ما اتفق الأئمة الثلاثة على عدم مشروعيتها على الصدقة الثابت بالنص فضلها والمجمع على وصول نفعها، وإنما يذكر الفقهاء فضل أضحية الحي، وأن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وكذلك العقيقة، وهذا صحيح ثابت لاشك فيه ولكل مقام مقال، فقياس الأضحية عن الميت على أضحية الحي في تفضيلها إنما هو قياس مع الفارق، لأن الشرع ورد بالتقرّب إلى الله بإراقة الدم في حق من أدرك عيد الحج الأكبر الذي هو عيد الإسلام وما يتبعه من الأيام، تعظيمًا لأمر هذا العيد وإشهارًا لشرفه وشكرًا لله على بلوغه، ولا يحصل ذلك بالتصدق بالقيمة لكون الصدقة بالقيمة تفضي إلى إهمال هذه السنة وعدم العمل بها.

فلا وجه للتعليل فيما هو خالص حق لله تعالى، يوضحه أن الله سبحانه وتعالى قد نصب لعباده حكمًا قسطًا يقطع عن الناس النزاع ويعيد خلافهم إلى مواقع الاجتماع وهو الكتاب والسنة.

أما الكتاب، فإن مبدأ مشروعية الأضحية هو ما قص الله عن نبيه إبراهـيم مع ابنه إسماعيل، حيث قال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *}([58]) وهذا الذبح هو كبش أمر إبراهيم بذبحه فداء عن ابنه وقربانًا إلى ربه في يوم عيد النحر، فصار سنة في ذريته، وقد أمر النبي بأن يتبع ملته فسنها رسول الله في أمته، كما في حديث زيد بن أرقم، قال، قلنا أو قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهـيم»، قالوا: وما لنا فيها؟ قال: «بكل شعرة حسنة…» الحديث([59]).

والدليل الثاني قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}([60])، فهذه الآيات نزلت في دماء الأضاحي والمناسك، والخطاب فيها للأحياء الذين سخر لهم البدن وجعلها من شعائر الله، ولا تكون من شعائر الله إلا إذا ذبحت في سبيل القربة والطاعة، فهم أي الأحياء الذين أمروا بأن يذكروا اسم الله عند ذبحها، وأن يأكلوا منها ويطعموا القانع والمعتر والبائس الفقير، فهذا الأمر وهذا الخطاب إنما وجه إلى الحي الذي هو محل تكليف بالأمر والنهي والموتى يبعثهم الله.

وبهذا يعلم مبدأ مشروعية الأضحية وكيفية نظامها، وأنها من عمل الأحياء ولا علاقة فيها لذكر الأموات، فكيف يقال بتفضيلها مع عدم ما يدل على مشروعيتها؟!

* * *

فصـل

وهذه أقضية رسول الله في أفضل ما يفعله الحي لميته تعرض

على المنصف المتبع وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع

الحكم الأول:

عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم فتصدق عن أمك». رواه البخاري ومسلم، وهذا الرجل المبهم هو سعد بن عبادة لما روي في البخاري عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة أخا بني ساعدة، توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها بشيء؟ قال: «نعم»، قال: فأشهدك أن حائط المخراف صدقة عليها.

فهذا سعد بن عبادة الذي هو أحرص الناس على فعل الخير وإيصال ثوابه إلى والدته التي توفيت في غيبته فأرشده النبي ﷺ إلى الصدقة عنها ولم يأمره بالأضحية، كما أنه لم يأمره بأن يجعل لها في هذا المخراف أضحية تذبح لها كل عام كما يفعله الكثير من العلماء والعوام، ولو كانت مشروعة أو أنها أفضل من الصدقة أو أنه يصل ثوابها إلى الميت لأرشده إلى فعلها، إذ لا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة إليه.

الحكم الثاني:

ما ثبت في البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني رسول الله من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله أنا ذو مال كثير ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر، قال: «لا»، قلت: فالثلث، قال: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا آجرك الله عليها» الحديث.

فأرشده النبي إلى الصدقة بثلث ماله ولم يأمره بالأضحية، فلو كانت مشروعة أو أن نفعها يصل إليه بعد موته لما بخل عنه بالأمر بها، ولم يكن رسول الله لينساها وهو يعلم أنها أفضل من الصدقة.

الحكم الثالث:

ما روى البخاري عن أنس بن مالك، قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مسقبلة المسجد وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فنزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}([61])، فجاء أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعهـا يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله: «بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة بين ثلاثة من أقاربه وبني عمه، وهم: أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأبو قتادة.

فهذا أبو طلحة قد وضع صدقته بين يدي رسول الله وقال: ضعها حيث أراك الله فأرشده إلى صرفها في أقاربه وبني عمه حتى إن أحدهم باع مستحقه منها بصاع دنانير، ولم يأمره بأن يجعل له في هذه الحديقة العظيمة أضحية تذبح له بعد موته، ولو كانت سُنة أو أنها أفضل من الصدقة لأمره بها وأرشده إليها، وهذا واضح جلي.

الحكم الرابع:

ما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر لم يصب مالاً قط هو أنفس منه، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال رسول الله: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» فقال: أفعل يا رسول الله، فتصدق بها عمر، أنه لا يوهب أصلها ولا يباع ولا يورث، فتصدق بها على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقًا غير متمول مالاً.

فهذا عمر قد استشار رسول الله في مصرف وقفه في سبيل ما ينفعه بعد موته فأرشده إلى حبس أصله والصدقة بغلته في وجوه البر والخير على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ولم يذكر الأضحية في جملة ما ذكر، ولو كانت مشروعة أو أنها مما يثاب عليها أو أنها مما يصل إليه بعد موته نفعها لذكرها له رسول الله في جملة ما ذكر، ولما ساغ لعمر أن ينساها لنفسه وهذا يؤيد قول من قال: إن الأضحية عن الميت غير مشروعة، وإنه لا يصل إليه ثوابها. لأن عدم فعل الصحابة لها وعدم نقلها عن أحد منهم لا في أوقافهم ولا وصاياهم تدل على عدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة أو أن فيها فضيلة لكانوا أحق بالسبق إليها، فعدم فعلهم لها يعد من الإجماع القديم واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة، فهي تعد من التعبديات التي يجب فيها الوقوف عند الكتاب والسنة وعمل الصحابة والصدر الأول، فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا.

الحكم الخامس:

عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله إن أبوي قد ماتا، فهل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما من بعدهما» رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وزاد في آخره قال: ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه؟! قال: «نعم فاعمل به».

فهذا الحديث جاء بمثابة نهاية الحكم وفصل الخطاب في أفضل ما يفعله الحي للميت، وخاصة الولد لوالديه، فأرشده إلى الدعاء والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما، أي الوصية العادلة الصادرة منهما أو من أحدهما، لأن النبي قضى بالدين قبل الوصية، ثم بالوصية قبل الإرث، ثم أوصاه بصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، كإخوانهما وأخواتهما وأعمامهما وعماتهما وأخوالهما وخالاتهما وسائر من يمت لهما بقرابة وصلة، ثم قال: وإكرام صديقهما من بعدهما وهذا الإكرام يشمل الصدقة والإحسان وسائر وسائل الإكرام والاحترام، لأن من البر صلة الرجل أهل ود أبيه ولم يذكر في هذا الحديث على شموله الأضحية ولو كان فعلها من البر أو أن فيها نفعًا للميت لذكرها له رسول الله، لكون السائل المستفيد جاء كالمستزيد من الإرشاد إلى فعل البر بوالديه بعد موتهما، فأرشده إلى ما ذكر وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.


الحكم السادس:

ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به،أو ولد صالح يدعو له» ولم يذكر الأضحية ولو كانت من الصدقة الجارية أو أنه يصل إليه نفعها بطريق الإيصاء بها أو بفعل أقاربه لها من إهدائهم ثوابها لذكرها كما ذكر الصدقة الجارية، إذ الصدقة لا تسمى أضحية، كما أن الأضحية لا تسمى صدقة، ولكل شيء حكمه على حسب حقيقته ومسماه.

الحكم السابع:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، ومسجدًا بناه، وبيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن ورواه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي.

فكل هذه النصوص تتضافر وتتفق على فعل الصدقة وفضلها وعموم نفعها ووصول ثوابها إلى الميت، بحيث لم يبق مجال لقائل في خلاف ذلك، وكل من تدبر أوقاف الصحابة والوصايا الصادرة منهم والتي يرجون برها وذخرها عند ربهم، لن يجد فيها ذكرًا للأضحية لكونها غير معروفة عندهم ولا معمول بها ولا يمكن أن يقال إنها سنة فجهلوها ولا أنهم علموها فأهملوا العمل بها، كل هذا يعد من الأمر المستحيل في حقهم، وإنما الصحيح أنهم عرفوا عدم مشروعيتها، فأعرضوا عن العمل بها، فتركهم لها يعد من الإجماع الذي هو قطعي الدلالة، وهذا واضح جلي لا مجال للشك في مثله، وإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلته وأسفر صبحه فذاك شرع الله ودينه والسبيل الموصل إلى رضاه والفوز بجنته.

* * *

ردّ قياس الأضحية عن الميت على الحج عنه

وأما قول من قال: إنه يجوز أن يضحى عن الميت كما يحج عنه، فإنه قياس مع الفارق، فإن الحج الذي أفتى النبي ﷺ بفعله عن الميت هو الحج الواجب المشبه بالدين اللازم كما في البخاري من حديث ابن عباس، أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عن أمك، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته! اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» وروى مسلم من حديث بريـدة، أن امـرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عن أمك»، فهذه واجبات بأصل الشرع وبطريق النذر.

وقد أفتى النبي ﷺ بجواز فعلها عن الميت، والسؤال وقع فيها من الأولاد كما ترى وللأولاد حالة لا تشبه حالة غيرهم، كما أن للواجبات حالة لا تشبه حالة التطوّعات، ولهذا يجوز قضاء واجب الحج من أجنبي، كما يجوز قضاؤه لدين الآدمي في ظاهر المذهب، وعليه يحمل حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «ومن شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب لي، قال: « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة». رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه، ونظيره حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». متفق عليه.

وحمل الإمام أحمد هذا الحديث على صوم النذر فهو الذي يقضيه الولي عن ميته دون الواجب بالشرع وليس الأمر بالصوم للوجوب، بل إذا لم يصم الولي أطعم من تركته عن كل يوم مسكينًا.

ولا يختص قضاء هذا النذر بالولي، بل كل من صام عنه أجزأ، لأنه تبرع أشبه قضاء الدين، قاله في المغني. ومذهب أئمة الفقه أنه لا يصام عن الميت مطلقًا، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي، وخص الإمام أحمد وآخرون جواز الصوم بالواجب بالنذر دون الواجب بالشرع، وقد روى الأثرم عن ابن عباس، أنه سئل عن رجل توفي وعليه نذر صوم شهر وعليه صوم رمضان، فقال: أما رمضان فيطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه.

وهذا الأمر بالإطعام فيمن عليه صيام شيء من رمضان ليس على إطلاقه. أما من مات وعليه صيام شيء من رمضان، كمريض مات في إثر مرضه، أو حائض ونفساء أفطرتا للعذر، ثم مات أحد هؤلاء قبل أن يتمكن من قضاء ما عليه فهذا لا شيء عليه لا من الإطعام ولا من الصيام في ظاهر المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، قاله في المغني لكونه معذورًا شرعًا، أما إذا تمكن من القضاء، كمريض صحّ من مرضه، أو مسافر رجع من سفره، وتمكن من قضاء ما عليه أو حائض أو نفساء مكثت بعد مدة طهارتها، بحيث تتمكن فيها من قضاء ما عليها فتكاسل أحد هؤلاء عن قضاء ما عليه حتى مات، فإنه يجب أن يطعم عنه عن كل يوم مسكين في قول أكثر أهل العلم وهو ظاهر المذهب ولا يصام عنه، لأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة، كالصلاة، بخلاف صوم النذر فإنه التزام في الذمة فقبل قضاء الولي له كالدين. قاله في المغني.

أما الحج فقد نص الفقهاء من الحنابلة والشافعية على أن من مات ولم يحج فإنه يخرج من تركته ما يحج به عنه أوصى بذلك أو لم يوص، أشبه دين الآدمي، ولأن النبي أمر المرأة أن تحج عن أبيها المعضوب الذي لا يستطيع الركوب على الراحلة، وقال مالك وأبو حنيفة: يسقط بالموت لأنه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة، وإن أوصى به، فمن الثلث.

أما ما عدا الحج، فإن مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، وروى النسائي بسند صحيح عن ابن عباس قال: لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد. إذا ثبت هذا فإن الأضحية عن الميت ليست من الأمر الواجب عليه حتى تقاس على الحج عنه، فكيف يقاس ما ليس بواجب ولا بمشروع على الحج الواجب المشبه بالدين اللازم حتى ولو قال به من قال، إذ ليس بلازم أن يقبل كل ما يقوله العالم أو يفتي به بدون دليل يؤيده، وباب القربات يقتصر فيها على النصوص ولا يتصرف فيها بأنواع الأقيسة والآراء، والله أعلم.

* * *

إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى

الأصل في هذا الباب هو أن كل امرئٍ مجازى بما عمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وأن من أبطأ به عمله لم يسرع به عمل غيره، وأن الأولين والآخرين يسألون يوم القيامة ويقال لهم: ماذا كنتم تعملون وماذا أجبتم المرسلين؟ قال الله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *}([62])، وقال: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ *}([63])، وقال: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}([64])، وقال: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([65])، وقال: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}([66])، وقال: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *}([67])، وقال: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *}([68])، وقال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}([69])، وفي الآية الأخرى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *}([70])

وفي الصحيح من حديث عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، والله يقول عند عرض صحائف الأعمال على سبيل الأعذار: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»([71])

ومن أجله حذر الله عباده من أن يغتروا بعمل أي أحد أو يتكلموا على صلاح والد أو ولد، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا}([72])، وكان آخر آية نزلت من القرآن هي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}([73]) من آخر سورة البقرة، فهذه هي العقيدة الدينية التي أنزل الله بها كتبه وأرسل بها رسله وأنذر بها الرسول عشيرته، وقال: «اشتروا أنفسكم من عذاب الله لا أُغني عنكم من الله شيئًا»([74])

وقد توسع الفقهاء في إهداء ثواب الأعمال توسعًا خارجًا عن حدود ما أنزل الله في كتابه، من ذلك قول الموفق في كتابه المغني: وأي قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها لميت مسلم نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافًا إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة([75])، لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت بالنص فكذلك سواهما، قال: ولأن المسلمين في كل عصر ومصر يجتمعون يقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، فكان إجماعًا. انتهى.

فتساهل الموفق – رحمه الله- في دعوى الإجماع في ذلك، مع عدم صحته كما سيأتي بيانه وجعل هذه الكلمة بمثابة تأسيس قاعدة فقهية وعقيدة دينية، وقد تلقاها عنه الأصحاب بالقبول وبنوا عليها من التعليق فوق ما تطيق وتوسعوا فيها بدون تمحيص ولا تحقيق، فإذا أردت تصحيح ذلك فانظر إلى عشرين مؤلفًا من كتب الأصحاب تجد في كل كتاب منها هذه الكلمة بحروفها أو بمعناها.

ومن المعلوم أن العالم قد يقول القول المرجوح مجتهدًا فيه فيطبع وينشر وتحفل به الجماهير والخلق الكثير وترسخ حقيقته في ذهن الصغير والكبير، غير أنه ليس بلازم أن يقبل كل ما يقوله العالم أو يفتي به بدون دليل يؤيده، لأن العالم قد يقول ما يعجزه أن يقيم الحجة على صحته، وحسبك ما جرى بين الصحابة من رد بعضهم على بعض في مسائل الفروع وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ.

فما كان أحد هؤلاء المجتهدين يجيز لأحد أن يقلده فيما أخطأ فيه ويجعله شريكًا لله في التشريع وأمور التحليل والتحريم، فالقول باعتقاد إهداء ثواب الأعمال إلى الأحياء والأموات، كما يقوله الفقهاء يفضي إلى أن يعرى عمل العامل من ثواب الله له على عمله ويحصل الأجر والثواب لمن لا يعمل، وهو خلاف سنة الله وشرعه في الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وقد زاد المتأخرون من الفقهاء القول بجواز إهداء ثواب صلاة الفرض وسائر ما لا تدخله النيابة من العبادات إلى كل مسلم حي أو ميت، وعندهم لا فرق بين الفرض والنفل، بل لو صلى صلاة مفروضة وأهدى ثوابها لأبويه صحت الهدية.

قال في الإقناع: وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها أو بعضها كالنصف ونحوه لمسلم حي أو ميت جاز ونفعه ذلك لحصول الثواب له حتى لرسول الله، من تطوّع وواجب تدخله النيابة كحج ونحوه أو لا تدخله النيابة كصلاة ودعاء واستغفار وصدقة وأضحية وأداء دين وصوم وكذا قراءة وغيرها. انتهى.

فقد عرفت كيف زاد على الموفق بالقول بجواز إهداء ثواب الأعمال التي لا تدخلها النيابة كصلاة فرض وصيام فرض حتى لرسول الله، وقد أجمع الأئمة الأربعة على أنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، كما أن إهداء القرب الدينية إلى النبي بدعة كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- قولان في المسألة، أحدهما: إن الميت ينتفع بإهداء جميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية من الصدقة والعتق ونحوها، وكما لو دُعي له واستغفر له.

والقول الثاني قال: إنه لم يكن من عادة السلف إذا صاموا تطوّعًا أو حجوا تطوّعًا أو قرؤوا القرآن أنهم يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل. وهذا القول الأخير هو الجدير بسعة علم شيخ الإسلام وورعه وحرصه على التمسك بالشرع وسنته ومحاربته للبدع المخالفة لسنة رسول الله وسيرة خلفائه وأصحابه، ولعل هذا هو الأخير من أمره والمحقق من رأيه، وحسبك شهادته بأن إهداء التطوّعات من القراءة والصيام والصلاة ليس من عمل السلف الصالح الذين هم الرسول وأصحابه، وكل ما ليس من عمل السلف الصالح فإنه من محدثات الأمور، وشر الأمور محدثاتها.

وقد ذكر ابن مفلح في شرح المحرر ما يحقق ذلك فقال: ذكر الشيخ تقي الدين بأنه ليس من عادة السلف إهداء ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين، بل من عادتهم أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك ويدعون لأحيائهم وأمواتهم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف، فإنها أفضل وأكمل.

فهذا هو الجدير بسعة علم شيخ الإسلام وحرصه على التمسك بصريح السنة والقرآن.

فهذا هو الأمر المحقق من رأيه وقد نقله ابن مفلح الذي هو أعرف الناس بأقواله، كما نقله ابن اللحام في اختياراته، إذ لا يمكن أن يدعو الناس إلى هذا الشيء الذي هو طريقة السلف من أهل السنة، ثم يدعو إلى خلافه.

فهذا القول هو الذي يجب المصير إليه لدلالة صريح الكتاب والسنة عليه، وأما القول بقياس إهداء ثواب الأعمال على الدعاء والاستغفار الثابت فضله والمجمع على وصول نفعه، فإنه قياس مع الفارق، لأن الدعاء عبادة من العبادات التي خلق الله الناس لها وأمرهم بالقيام بها، كما في حديث النعمان بن بشير، أن النبي ﷺ قـال: «الـدعاء هو العبادة، ثم قـرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ *}([76]) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الترمذي، وله من حديث أنس مرفوعًا: «الدعاء مخ العبادة» والله يحب الملحين في الدعاء ويحب أن يسأل كل شيء ومن لم يسأل الله يغضب عليه، وإذا استجيب الدعاء لم تكن استجابته من باب إهداء ثوابه ولكنه تفضل من الله للمدعو له وللداعي أجره وثوابه، وكذا يقال في استغفار الملائكة لمن في الأرض، فإن الله خلقهم لعبادته التي هي التسبيح والدعاء والاستغفار، فهم يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا، ومثله انتفاع الميت بصلاة الحي عليه كما يقوله من يستدل به، فإن الصلاة على الميت هي كسائر الصلوات المشروعة، فالمصلي عن الميت إنما يصلي لله ويحتسب ثواب صلاته عند الله، كما في الصحيحين مرفوعًا: «من صلى على الجنازة فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان» فالمصلي يحتسب هذا الأجر لنفسه ويتضرع بالدعاء إلى الله لميته، إن شاء الله استجاب له وإن شاء رده، ولم يكن ليهدي ثواب دعائه أو ثواب صلاته إلى الميت، وهذا كله يعد من العبادة التي خلق الله الخلق لها وأمرهم بالقيام بها، وانتفاع الميت به هو شيء يصل إليه من الله، وهو شيء وإهداء الثواب شيء آخر، فإن إهداء الثواب هو أن يعمل الشخص العمل من صلاة وصيام وتلاوة القرآن، ثم يقول: اللهم اجعل ثواب ما عملت لفلان ابن فلان. أو يقول: اللهم إن كنت أثبتني على هذا العمل فاجعله لفلان ابن فلان، فيخرج العامل من ثواب عمله ويحصل الثواب والأجر لمن لا يعمل وهو خلاف سنة الله وشرعه في الجزاء على الأعمال {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *}([77]).

وأما قول الموفق: إن الصدقة وأداء الواجبات لا يعلم فيه خلافًا إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة، لأن الصوم والحج عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت بالنص وكذلك ما سواها. يشير الموفق بهذا إلى ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم فتصدق عن أمك». وهذا الرجل المبهم هو سعد في عبادة، كما ورد مفسرًا في البخاري من حديث ابن عباس، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك»، وفي رواية: «لو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.

وعن ابن عباس، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم حجي عنه» متفق عليه، وعن ابن عباس أيضًا، أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها؛ أرأيتِ لو كان على أُمكِ دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء»([78]).

ولمسلم وأبي داود والترمذي من حديث بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية وإن أمي ماتت، فقال: «وجب أجرك وردها إليك الميراث»، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ فقال: «نعم صومي عنها؟» قالت: يا رسول الله، إنها لم تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها»، وفي البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه».

فهذه النصوص هي التي استمد منها الفقهاء جواز إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى وكلها وقعت سؤالاً من الأولاد عن واجبات آبائهم فأفتاهم رسول الله بجواز قضائها، وشبهها بالدين اللازم الذي يجب قضاؤه لحديث: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»([79])، وللأولاد مع الآباء حالة لا تشبه حالة غيرهم، لأن الكتاب والسنة قد ألحقا ذرية المؤمن به، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}([80]) ولهذا تجعل أفراط المؤمن في كفة ميزانه بمثابة حسناته، وفي الحديث: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم»([81]) لكونه هو السبب في إيجاده، كما أنه لا يقاس قضاء الواجبات على فعل التطوّعات.

ولهذا قلنا: إنه يجوز للأبناء والبنات قضاء واجبات آبائهم من صلاة وصيام وحج، سواء كانت واجبة بطريق الشرع أو بالنذر للنصوص الواردة في هذا الخصوص، ومنها حديث عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «إن أباك لو كان موحدًا فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك»([82])، قال في نيل الأوطار: فيه دليل على أن ما فعله الولد لأبيه من الصوم والصدقة فإنه يلحقه ثوابه بدون وصية منهما له ويخصص بهذا قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}([83])، قال: وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيتوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها.

وأما الصدقة، فقد حكى بعض العلماء الإجماع على فضلها([84])، ووصول نفعها لكونها من الفعل المتعدي، وأما قول الموفق: أداء الواجبات لا يعلم فيه خلافًا إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة، فهذا غير صحيح فإن فيه الخلاف الكبير، أما الحج الواجب بالشرع فقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، لأنه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة وإن أوصى به فمن الثلث، وقال فقهاء الحنابلة والشافعية: من وجب عليه الحج ومات قبل أن يحج وجب على ورثته أن يخرجوا من ماله ما يحج به عنه، سواء أوصى به أو لم يوص، أشبه دين الآدمي. وبهذا يتبين وقوع الخلاف بين الأئمة في الواجبات التي تدخلها النيابة كما عرفت. قال العلامة ابن القيم في الإعلام على قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»([85])، قال: فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، فقالت: يصام عنه الفرض والنذر، وأبت طائفة ذلك وقالت: لا يصام عنه الفرض ولا النذر، وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه وهو الصحيح، لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد، فكذلك الصيام لا يصوم أحد عن أحد، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه، وطرد هذا أنه لا يحج عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر رمضان للعذر، وبدون العذر لا يجوز الإطعام ولا الصيام، فأما المفرط من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله التي فرّط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي، فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلام أحد عن أحد ولا صلاة أحد عن أحد ولا غيرها من فرائض الله التي فرّط فيها حتى مات، فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلته وأسفر صبحه، فذاك هو شرع الله ودينه والسبيل الموصل إلى رضاه والفوز بجنته([86]).

والمقصود أن الموفق – رحمه الله- قد تساهل في القول في إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى حتى حكى الإجماع على إهداء ثواب القراءة قائلاً: إنه إجماع المسلمين([87])، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، وحتى قال بجواز القراءة على القبور وأيد القول بذلك بأدلة ضعيفة، وقد أخذ الفقهاء عنه ذلك فقالوا بمثل قوله، فانتشر هذا الرأي المرجوح في كتب الأصحاب حتى صار له الأثر الكبير في نفوس العلماء والعوام والخاص والعام، وقد نجم عن هذا التعبير سوء التدبير، حيث عملت الوصايا وأُوقفت الأوقاف في الأمصار على إهداء الختمات وعلى قراءة القرآن على رمم الأموات، والقرآن إنما نزل للتذكر والتدبر لينذر به من كان حيًّا لا ليهدى منه الختمات إلى الأموات، على أن إهداء ثواب القراءة يعد من مفردات مذهب الإمام أحمد، كما حكى القول به صاحب الإنصاف، ونظمها صاحب المفردات قال:

تطوّع القربات كالصلاة ثوابه لمسلمي الأموات
يُهدى وكالقرآن مثل الصدقهْ منفعته تأتيهم محققهْ

وقد حكى ابن كثير في التفسير على قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}([88])، قال: أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، فكذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن اتبعه أن القراءة لا يصل ثوابها إلى الموتى، لأنها ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه لا بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيها على النصوص ولا يتصرّف فيها بأنواع الأقيسة والآراء، قال: وأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فهذه الثلاث بالحقيقة هي من سعيه وكده كما جاء في الحديث: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن ولد الرجل من كسبه»([89]) والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله لقوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}([90])، والعلم الذي ينشره في الناس واقتدي به بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء»، وكذا حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»([91])، انتهـى. وهذا القول يعد من أعدل الأقوال في المسألة وأسعدها بالصواب وإن خالفه من خالفه.

وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- فيمن أوصى بمال في ختمات وقصده التقرّب إلى الله بأنه ينبغي صرف هذا المال إلى الصدقة به على الفقراء والمحاويج، قاله في الاختيارات، ويقاس على هذه الفتوى من أوصى بمال في حج أو أضاحي تذبح عنه وكان قد حج عن نفسه، فإن الصدقة بهذا المال على الفقراء والمحاويج أفضل من صرفه في الحج والأضاحي، الذي يقول أكثر العلماء بعدم جواز ذلك.

وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة حكم الله ورسوله في المسألة، أو أن يكون قصده معرفة ما قاله إمام مذهبه أوفقهاؤه أو الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه، وقد نقل صاحب المحرر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، بأنه لم يكن من عادة السلف إهداء ثواب الأعمال إلى موتى المسلمين، بل عادتهم أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات فرضها ونفلها، وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك ويدعون لأحيائهم وأمواتهم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف فإنها أفضل وأكمل.. انتهى.

وقال في تفسير المنار على قوله: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}([92])، قال: هذه قاعدة من أصول دين الله الذي بعث الله به جميع رسله، كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *}([93])، قال: وهي من أعظم أركان الإصلاح للبشر في أفرادهم وجماعاتهم لأنها هادمة لأساس الوثنية وهادية للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية وهو عملهم دون عمل غيرهم، فمعنى الجملتين: فلا تكسب نفس إثمًا إلا كان عليها جزاؤه الأخروي دون غيرها ولا تحمل نفس وزر نفس أخرى، بل كل نفس لها ما كسبت، أي من الحسنات وعليها ما اكتسبت، أي من السيئات، فالدين قد علمنا أن سعادة الناس وشقاءهم بأعمالهم، وأن الجزاء في الآخرة مبني على هذا التأثير، وأما من كان قدوة صالحة في عمله أو معلمًا، فإنه ينتفع بعمل من أرشدهم زيادة على انتفاعه بأصل عمله، ومن كان قدوة سيئة في عمل أو دالًّا عليه، فإن عليه إثم من أفسدهم، وكل هذا وذاك يعد من قبيل عمله، وقد بين النبي ﷺ هذا وذاك بقوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»([94]).

قال: ومما ينتفع به المؤمن من عمل غيره، بحيث يعد من قبيل عمله دعاء أولاده له وحجهم وتصدقهم عنه وقضاؤهم لصومه. وهو داخل في عموم قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وقد ألحق الله ذرية المؤمنين بهم في نص الكتاب والسنة.

ومن قال بانتفاع الميت بكل عمل يعمل له وإن لم يكن العامل ولده، قد خالف نص القرآن ولا حجة له في الحديث الصحيح ولا القياس الصحيح. انتهى([95]).

والحاصل أن الأخبار الصحيحة وردت بجواز صدقة الأولاد عن الوالدين وقضاء ما وجب عليهما من صيام وحج وقضاء نذر، لكن مدار الجزاء والثواب والعقاب على عمل الإنسان بنفسه لنفسه لا على عمل أولاده وأقاربه جمعًا بين النصوص، كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ *}([96])، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا}([97])، ثم إن هذا الانتفاع مشروط بكون الوالد والولد متفقين على الإيمان بالله والعمل بطاعته، وإن حصل التقصير من أحدهما في ترك طاعة أو ارتكاب معصية، كما في الحديث «إن الرجل لينزل المنزلة العالية في الجنة وينزل ابنه دون منزلته، فيقول أين ابني؟ فيقال له: إنه دون منزلتك قد قصرت به أعماله، فيقول: يا رب إني عملت لي وله، فيقول الله: صدق ارفعوا منزلته إلى والده لتقر به عينه»([98])، ثم تلا قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}([99])، أشبه الشفاعة لا تكون إلا لمن أذن له الرب ورضي عمله، لهذا قلنا: إنه يجوز للأولاد قضاء واجبات آبائهم من صلاة وصيام وحج، سواء كانت واجبة بطريق الشرع أو النذر، أما غير الواجبات من سائر أفعال التطوّعات فالظاهر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أنها لا تفعل عنه بعد موته فلا يصل إليه ثواب القراءة ولا الأضحية ولا يحج نفلاً عنه ولا يصام نفلاً عنه ولا يصلى عنه، بل يتصدق عنه، فإن الصدقة أفضل من هذا كله وأنفع للحي والميت لكونها من النفع المتعدي للغير وحتى جاز فعلها مع الكافر، ولمّا تحرّج أصحاب رسول الله من الصدقة على أقاربهم من المشركين وقالوا: لا نؤجر على الصدقة على من ليس من أهل ديننا، أنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ *}([100])، فأمروا بالصدقة على الكافر، وبهذا فارقت سائر أفعال البر كما عرفت، والله أعلم.

* * *

أقوال العلماء في تفسير:

{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}

حكى القرطبي في التفسير عن الأكثرين أن هذه الآية محكمة وأنه لا ينفع أحدًا عمل أحد، قال: وأجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد.

ولمّا رأى بعض المفسرين وبعض الفقهاء أن هذه الآية تهدم قاعدة إهداء ثواب الأعمال إلى الموتى وتثبت بالصراحة بأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فمنهم من يقول: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: إن المراد بالإنسان الكافر، وأما المسلم فله ما سعى وما سعى له غيره، وأحيانًا يقولون: إنه ليس للإنسان إلا ما سعى بطريق العدل وله ما سعى له غيره بطريق الفضل، ومنهم من يقول: إنها ليست من شريعة محمد ﷺ وإنما هي من شريعة إبراهيم وموسى. وكل هذه التأويلات ليس عليها دليل من الكتاب والسنة، وإنما خرجت مخرج الانتصار للمذهب ليدفعوا بها حجة المحتج عليهم بهذه الآية الصريحة المخالفة لرأيهم ومذهبهم، لتستقيم بذلك قاعدة إهداء ثواب الأعمال عندهم.

ومن المعلوم أن أقوال العلماء تابعة لقول الله ورسوله، وليس قول الله ورسوله بتابع لأقوالهم، فلا ينقض بها أمر مستقر من كتاب الله وسنة رسوله، وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه فيتكلف صرف الكلم عن المعنى المراد منه مع كونه لا يحتمل هذا المعنى لتستقيم بذلك حجته، فإن هذه الآية لها نظائر كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *}([101])، وكقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *}([102]) في كثير من الآيات يذكر- سبحانه- جزاء الإنسان على أعماله من خير وشر.

وكما أن هذه الآية مقرونة بآيات محكمات هن أم الكتاب فلا يجوز قطعها عن نظائرها بدعوى النسخ لها، والنسخ لا يصار إليه إلا بدليل شرعي، وهي خبر لا يدخلها النسخ والآيات المقرونة بها هي قوله: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *}([103]) وهي محكمة بالإجماع، أي لا تحمل نفس وزر غيرها {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *}([104])، {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}([105])، أي بنفسه لنفسه ومن أبطأ به عمله لم يسرع به عمل غيره، لأن كل إنسان مجازى بما عمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، {وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى *}([106])، أي سوف يعرض وينشر {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}([107])، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}([108])، {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *}([109])، {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *}([110]) وقد فسر هذا الجزء بقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}([111])، وأما قولهم: إن المراد بالإنسان هنا الكافر، وأما المسلم فله ما سعى، وما سعى له غيره. فلا شك أن هذا التأويل أبعد عن معنى التنزيل من الذي قبله، فإن الكافر عمله حابط من أصله فلا سعي له عند ربه، يقول الله: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ *}([112])، فكيف يستجيزون القول بهذا مع بعده عن مراد الله به.

وكذلك قول من قال: إنها من شريعة إبراهيم وموسى وليست من شريعتنا، وهذا التأويل يقضي عزل هذه الآية عن المعنى المراد منها ليزول عن الناس التكليف بها والاحتجاج بموجبها، كأنها بزعمهم من حشو الكلام الذي لا يستفاد منه عظة ولا عبرة ولا حكم من الأحكام، والصحيح أنها من شرع الله وأصول دينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وأنذر به الرسول عشيرته، وأنه كما نزل به القرآن فقد نزل في صحف الأنبياء إبراهيم وموسى، لأنه من باب الجزاء على الأعمال، وأن الأولين والآخرين يقال لهم: {ماذا كنتم تعملون}، و{مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}، نظيره قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى *}([113]).

أفيقال: إن هذا ليس من شرعنا وإن التذكير بها ليس من شأننا. ليبطلوا بذلك سنة الله في التذكير بآياته وبيناته، وكل من تدبر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجدها تدل على ما دلت عليه هذه الآية بطريق المطابقة والتضمن كقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *}([114]) قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}([115]) وقوله: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ *}([116])، {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}([117]) وقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}([118])، وقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ *فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *}([119])، وفي الصحيح عن عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي حديث أبي ذر في عرض صحائف الأعمال: إن الله يقول: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» رواه مسلم. كل هذه الآيات والأحاديث تدل على ما دلت عليه هذه الآية بالمطابقة والتضمن، فإن قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *}([120]) هي من قبيل قوله: {فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *}([121]) ومن قبيل قوله في الحديث: «ينظر الرجل أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم». فأين عمل الغير عند عرض صحائف الأعمال على الله سبحانه وتعالى {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى *وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى *}([122]) حيث لم يقع لها ذكر في كتاب الله {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}([123]).

* * *

الأوقاف والوصايا في عمل البر والخير

يكثر من الناس النص بالوقف في عمل البر والوصية بالثلث في عمل البر والخير، ومنهم من ينص في وصيته بأن يعمل له ما يعمل الحي للميت، يريد بذلك الوصية في وجوه البر والخير وكله حسن جائز، غير أنه ينبغي أن نعرف حقيقة البر لنعرف به حقيقة التنفيذ في سبيله.

البِرّ: بكسر الباء، هو التوسع في أعمال الخير، وضد البر الفجور، وهو التوسع في أعمال الشرور، يقول الله: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ *}([124])، وفي الشرع هو: الإيمان بالله وما يتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة على اختلاف أنواعها، يقول الله: {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ *}([125]).

فذكر – سبحانه- أعمال البر ومن جملتها ركن البر من المال، وهو ما عناه بقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}، وهذا هو البر لمن سأل عن البر أو أوصى في عمل البر، وقد أخذ عمر بن الخطاب بهذه الآية في مصرف وقفه الذي استشار فيه رسول الله ﷺ فوقفه على الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقًا غير متمول مالاً، ولم يذكر في وقفه حجة ولا أضحية كما يفعله الناس الآن، فبدأ – سبحانه- بإيتاء المال على حبه وذلك بأن يخرج صدقته في حال صحته ومحبته لماله كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان» ولهذا روي أن مثل من لا يتصدق إلا عند الموت كمثل من لا يهدي إلا إذا شبع، فلا أفضل من كون الإنسان يرى صدقته جارية مجراها في حال حياته وصحته، فما نفع الإنسان مثل اكتسابه بنفسه لنفسه، وحسن ظنه بغيره إساءة منه في عمل الحزم.

ثم قال: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} وهم أقارب الواقف والموصي، فبدأ بهم للاهتمام بأمرهم؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، ولمّا تصدق أبو طلحة ببيرحاء وقال للنبي ﷺ: ضعها حيث شئت، فقال له: «سمعت ما قلت وأرى أن تضعها في أقاربك»، فقال: أفعل يا رسول الله. فقسمها بين بني عمه وهم حسان وأُبي بن كعب وأبو قتادة، وكل واحد منهم ملك مستحقه منها حتى باع أحدهم مستحقه منها بصاع دنانير([126]). وأقارب الشخص المستحقون للوصية بالبر هم من لا يرثه بفرض أو تعصيب من إخوانه وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأولاد العم والعمة، ويرجو ثوابه لأن السنة في الوصية هو أن يأخذ الموصى إليه وصيته قبل أن يأخذ الوارث إرثه، وإن أوصى بمال أو بالثلث في عمل البر استحقوا الدخول فيه إذا كانوا فقراء؛ لأن كل وقف أو وصية في عمل البر والخير فإن المقدم فيها من قدمه الله في كتابه وإن لم ينص الموصي عليه؛ لأن فقراء الموصي أحق بالتقديم في خير ما أوصى به من الوصية في عمل البر أو الوقف في البر.

الصنف الثاني: اليتامى: وهم من توفي أبوهم الذي هو كاسبهم والساعي عليهم قبل أن يبلغوا سن الرشد، لأنهم بموته تحيق بهم الحاجة وتحيط بهم المسكنة وتنقطع عنهم صلات أهل الحفاوة والمودة، كما قيل:

إذا ما رأس أهل البيت ولَّى بدا لهم من الناس الجفاء

فيصيرون مستحقين للصدقة على كل حال وبالخصوص من وقف البر ومن الوصية في عمل البر، وللموصى إليه الأجر في تنفيذ ما ذكر لأن الخازن الأمين – وبمعناه الوكيل الذي ينفذ ما استؤمن عليه في سبيله – أحد المتصدقين.

والصنف الثالث: المساكين: وهم الفقراء البائسون الذين قعدت بهم المسكنة والحاجة أو علة المرض والزمانة عن السعي والكسب لما يكفيهم وعيالهم وفي الحديث: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه»([127]).

والصنف الرابع: ابن السبيل: وهو الذي يريد السفر إلى أهله وليس بيده ما يوصله إلى بلده فيعطى من الصدقة الواجبة ومن الوصية في عمل البر ما يؤهله إلى الوصول إلى بلده.

والصنف الخامس: السائلون: وهم الذين يتكففون الناس بالسؤال، وللسائل حق ولو جاء على فرس، ولو صدق السائل ما أفلح من رده، ومن سأل وعنده ما يغذيه ويعشيه فقد ألحف في المسألة.

والصنف السادس: الرقاب: وهو تحرير الأرقاء ومساعدة المكاتبين، ويلتحق بذلك المغرمون بالديون والمساجين والمحكوم عليهم بأداء الديات أو أروش أضرار الجنايات في الأرواح والسيارات وليس لهم مال ولا عاقلة فيعطون من الزكاة الواجبة ومن الصدقة المستحبة ومن الثلث الموصى به في عمل البر والخير والوقف على البر قدر ما يخلصهم من عنت هذا الغرم، ومما يدخل في عمل البر معالجة المرضى من الفقراء وبناء البيوت للضعفة المضطرين والنفقة في الجهاد في سبيل الله وعلى المجاهدين وبناء المساجد وفتح الطرق وإجراء المياه وغير ذلك من المنافع العامة والمصالح الشاملة الداخلة في عموم الصدقة الجارية الباقية للإنسان بعد موته والنافعة الشافعة له عند ربه، وقد غفل الناس عن هذه النصائح والمصالح التي حث عليها كتاب ربهم وسنة نبيهم وجرى عليها عمل الصحابة والسلف الصالح في أوقافهم ووصاياهم وسائر تبرعاتهم وصرفوا جل عقولهم وجل أعمالهم وجل اهتمامهم إلى الوصية بالأضحية والوقف على الأضحية، حتى إنك لتجد غالب بيوت القرية محبوسة على ذلك لكون هذا الأمر قد جرى العمل به من العلماء وتبعهم عليه سائر العوام في الوصايا والأوقاف العظام حتى كأنها من أفضل ما يتقرّب به إلى الله من صالح الأعمال.

وقد سبق القول بعدم جواز الأضحية عن الأموات مطلقًا، لكونه لم يثبت عن رسول الله الأمر بها ولا عن أحد من الصحابة فعلها ولا الوصية بها، فضلاً عن القول بفضلها بطريق الإصلاح، والعدل يوجب على كافة العلماء تدارك هذا الخطأ بصرف هذه الأوقاف والوصايا المجعولة في الأضاحي عن الأموات فيما نص عليه الكتاب والسنة، وجرى عليه العمل من الصحابة والتابعين حتى ولو خالف نص الموصي؛ لأن الحق فوق كل أحد لاعتبار أن هذا الصرف والتصرف يعد من الإصلاح والعدل المأجور فاعله والمرفوع عنه إثمه، لقول الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}([128]) ولأن من شرط صحة الوقف على البر أن يكون على طاعة محققة، ونحن لم نتحقق فعل الطاعة في الأضحية عن الميت بشهادة الأئمة الثلاثة وهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة، بعدم مشروعيتها وحسبك بهم في العدالة وقبول الشهادة، ثم إن الواقف وبمعناه الموصي إنما يقصد بوقفه ووصيته حقيقة ما يقرّبه من رضى ربه وينفعه في آخرته، وقد ظن أن الوصية بالأضحية والوقف عليها أنه أفضل ما يعمله لكون العامي مشتق من العمى، فهو يحتاج إلى من يدله على الطريق ويبين له ما ينفعه في آخرته على سبيل التحقيق.

فلو أن هؤلاء المستولين على الأوقاف والوصايا والذين يجتمع عند أحدهم قدر الخمسين والستين من الأغنام يريد أن يجزرها كلها أضاحي الأموات في مقام واحد، وعند الثاني والثالث مثل ذلك فلو أن هؤلاء صرفوا قيمة هذه الأضاحي إلى الفقراء والمساكين والمضطرين، بحيث يدفع إلى أهل كل بيت ثمن أضحية في ثواب ميتهم وكذا كل من يريد أن يبر والديه، بأضحية أو أضحيتين يدفع قيمة كل أضحية إلى أهل بيت من الفقراء في ثواب والديه، لا شك أن هذه أنفع للحي والميت وأقرب إلى طاعة الله ورسوله، لا سيما إذا صادف إخراج هذه الصدقة في عشر ذي الحجة حيث العمل الصالح أحب إلى الله فيها من سائر السنة لكونها تصادف من الفقير موضع حاجة وشدة فاقة، لما يتطلبه العيد من ضرورة النفقة والكسوة وسائر المؤنة له ولعياله، فأين تقع هذه الصدقة وعموم نفعها وسداد العوز بها من الصدقة بقطعة لحم لا قيمة لها تأتيهم وهم لها كارهون، لا شك أن الفرق واسع والبون شاسع لولا أن بعض الفقهاء يقيدون الشريعة بقيود توهن الانقياد ويقولون: إن نصوص الواقف كنصوص الشارع، فهم يحكمون بإلزام الناس بالعمل بما نص عليه الموصي أو الموقف مع قطع النظر عن الصحيح الراجح وهذا هو حقيقة ما عناه ابن القيم، حيث قال: إن بعض الفقهاء محبوسون في سجن الألفاظ ومقيدون بقيود العبارات. غير أن من تربى على مذهب واعتقد صحة ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية ولا تنازع العلماء فيها فإنه لا يفرق بين ما جاء من الله وعن الرسول وتلقته الأمة بالقبول وبين ما قاله علماء مذهبه مع تعذر إقامة الحجة على صحته، ومن كانت هذه صفته فإنه يعد من المقلدين الناقلين لأقوال غيرهم.

وفرق بين أن يكون الإنسان قصده معرفة حكم الله ورسوله في المسألة أو أن يكون قصده معرفة ما قاله إمام مذهبه أو فقهاؤه أو الشيخ الفلاني الذي اشتهر علمه. ومن المعلوم أنه متى ساء الحكم ساءت النتيجة، لهذا نجد الولاة على الأوقاف والوصايا الخيرية والتي يستغلون منها الأجور الطائلة خاصة في البلدان الراقية، نجدهم يستحلون هذا الدخل بأضحية يسفكون دمها ويأكلون مخها ولحمها، كأنه لا حساب عليهم ولا عقاب فيها، لهذا لا يجوز للمفتي أن يفتي بمذهبه ويلزم الناس بالعمل بموجبه وهو يعلم أن مذهب غيره أقرب للصواب وأسعد بالدليل من مذهبه.

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حرر في 27 رجب عام 1390هـ.

* * *


([1])    سورة الصافات: 107.

([2])    سورة الكوثر: 2.

([3])    سورة الأحزاب: 6.

([4])    أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله.

([5])    متفق عليه من حديث عائشة.

([6])    متفق عليه من حديث أنس بن مالك.

([7])    سورة الحج: 34.

([8])    متفق عليه من حديث عائشة.

([9])    كقول الشاعر:

فإذا عبرت بقبره فاعقر به كوم الهجان وكل طرف سابحِ
وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ

هذا الشعر لأبي أمامة زياد بن الأعجم، رثى به المهلب بن أبي صفرة في قصيدة طويلة ذكر ابن خلكان طرفًا منها في تاريخه ج 2 – ص 145.

([10])   رواه ابن عدي في الكامل وأعله بأبي معشر نجيح.

أجاز الإمام أبو حنيفة إخراج القيمة في صدقة الفطر نظرًا لمصلحة الفقير متى كانت القيمة أنفع له، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والحكمة في مشروعية صدقة الفطر هو إغناء الفقير بها يوم العيد وقد أصبحت الأصناف من التمر والبر والشعير والزبيب والأقط لا تفيد الفقير غنى في كثير من البلدان، وأصبح الفقراء يسخطون قبولها ويمتنعون عن قبضها ويطلبون النقود بدلها، لكون النقود تعمل في الإغناء وسد الحاجة ما لا تعمله الأصناف المذكورة، ولكون هذه الأصناف ليست بقوت الكثير من الناس والشارع الحكيم إنما قصد بمشروعية صدقة الفطر هو إغناء الفقراء في خاصة يوم العيد، وقد راعى الشارع في إيجابها حال قدرة الناس وميسورهم لقول أبي سعيد: كنا نعطيها زمن النبي ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صـاعًا من زبيب. متفق عليه. وفي روايـة: أو صاعًا من أقط. لأن هـذه الأصناف تعمل عملها في سد العوز بها زمن النبي ﷺ حتى إن الشعير هو ركن القوت في زمنهم والبر النقي يعد من النادر القليل، وقد توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين وسقًا من الشعير، وأما الآن فليس بطعام للناس، وإنما يطعم به بهائم الحيوان، وكذلك التمر كانوا يكتفون به قوتًا على انفراده، تقول عائشة: والله إنه ليمضي علينا الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيت من بيوت رسول الله نار. قلت: ما كنتم تتقوتون به؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. وقد أصبح الآن في كثير من البلدان لا يعتبره الفقير قوتًا، وكذلك الزبيب والأقط لا يعتمده الناس قوتًا، مع كونهما نادري الوجود ولم يفرض النبي ﷺ صدقة الفطر بالنقود لمشقة النقود عليهم وعدم رواجها في زمنهم، أما سمعت النبي ﷺ أعطى عروة البارقي دينارًا ليشتري له أضحية فاشترى له بالدينار أضحيتين، وكان النبي يأخذ بالبعير والبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة، لعدم النقود في زمنه، أما الآن وفي هذا الزمان، فإن إخراج القيمة أنفع للفقير وأقوم بسد حاجته وحصول الغنى بها محقق في الأكل وتوابعه وفي اللباس وغيره، إذ هي صدقة وأفضل الصدقة أن تتصدق بما تحب ومن الطيب وسر الحكمة فيها أنها فرضت طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، وقال: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم» ولم يقصد الشارع حصر الوجوب في هذه الأصناف المنصوص عليها مع استغناء الناس ورغبتهم في غيرها.

([11])   سورة الأنعام: 162-163.

([12])   سورة البقرة: 185.

([13])   متفق عليه من حديث عائشة.

([14])   أخرجه أحمد من حديث عائشة.

([15])   سورة المائدة: 27.

([16])   متفق عليه من حديث أبي هريرة.

([17])   ذكر ابن مفلح في الآداب الشرعية قال: تولى رجل مقل فقير قضاء الأهواز، فأبطأ عليه رزقه وحضر عيد الأضحى وليس عنده ما يضحي به ولا ما يشتري به أضحية، فشكا سوء حاله إلى زوجته، فقالت له: لا تغتم، فإن عندي ديكًا جليلاً قد سمنته فإذا كان عيد الأضحى ذبحناه أضحية، فلما كان يوم العيد وأرادوا ذبح الديك طار من بينهم على سقوف الجيران فطلبوه من دار إلى دار، ففشى الخبر بين الجيران أن القاضي يريد أن يضحي بديك وكانوا مياسير فرحموا القاضي لفقره فأهدى إليه كل واحد كبشًا فاجتمعت في داره أكبش كثيرة وهو في مصلى العيد لا يعلم بها، فلما رجع إلى منزله بعد فراغه من صلاة العيد قال لزوجته: من أين لكم هذه الأضاحي؟ قالت: أهدى لنا فلان هذا وأهدى لنا فلان هذا، وأخذت تعددها، فقال: ويحك احتفظي بديكنا؛ فإن إسحاق بن إبراهيم – يعني به إسماعيل – بن إبراهيم لم يفد إلا بكبش واحد، وقد فدي ديكنا بعدة أكباش.

([18])   الأضحية فيها أربع لغات: أضحية وإضحية، بضم الهمزة وكسرها. وجمعها أضاحي، واللغة الثالثة: ضَحية. والرابعة: أضحاة، بفتح الهمزة والجمع: أضحى، كأرطاة وأرطى، سميت بذلك لكونها تفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار.

([19])   سورة الأنعام: 162-163.

([20])   سورة الصافات: 107-108.

([21])   أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن أرقم.

([22])   سورة الحج: 34.

([23])   سورة الحج: 28.

([24])   سورة الحج: 36.

([25])   سورة الحج: 32.

([26])   لهذا يستحب استسمان الهدايا والأضاحي واستحسانها، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، فأضحية حسنة سمينة قيمتها مائتان أفضل من أضحيتين دونها في السمن قيمتهما مائتان، لكون المطلوب هو السمين الحسن لا كثرة العدد، وقد كان أصحاب رسول الله يسمنون أضاحيهم.

وأمـا الاستحسان، فـروي من حـديث أبي هـريـرة مـرفوعًا: «دم عفـراء أحب إلي من دم سوداوين»، رواه أحمد والحاكم والبيهقي.

وورد الشرع بالنهي عن العيوب المانعة للإجزاء كما يعرف تفصيلها من كتب الأحكام والفروع، لكن متى تعيبت الأضحية بعد التعيين ولم تكن واجبة في ذمته قبل ذلك ذبحها وأجزأته، لما روى أبو سعيد الخدري قال: اشتريت كبشًا لأضحي به فعدا الذئب فأخذ منه الإلية، فسألت النبي ﷺ، فقال: «ضحِّ به» رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي.

ولهذا كره الأضحية بشاة حامل، لكون الحمل يفسد لحمها وذهب الإمام الشافعي إلى عدم الإجزاء بها.

([27])   سورة الكوثر: 2.

([28])   أخرجه مسلم وأحمد من حديث عائشة.

([29])   متفق عليه من حديث أبي هريرة.

([30])   أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عمران بن حصين.

([31])   أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة.

([32])   أخرجه الترمذي من حديث عائشة.

([33])   أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن أرقم.

([34])   (أ)- حديث «ما عمل آدمي من عمل يـوم النحـر أحب إلى الله من إهـراق الـدم وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وأن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفسًا» رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن غريب. والحاكم وقال: صحيح الإسناد. كلهم رووه عن عائشة أن رسول الله.. إلخ.

(ب) وحديث: قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم»، قالوا: وما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة»، قالوا: والصوف؟ قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة» رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث زيد بن أرقم، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وطعن المنذري في تصحيح الحاكم له، لأن في إسناده عائذ الله المجاشعي وأبو داود نفيع بن الحارث الأعمى وكلاهما ساقط.

(ج) وحديث أن النبي ﷺ قال: «يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك»، قالت: يا رسول الله، ألنا خاصة أهل البيت أو لنا وللمسلمين، قال: «بل لنا وللمسلمين» رواه البزار وأبو الشيخ، ابن حبان، من حديث أبي سعيد الخدري ورواه أبو القاسم الأصبهاني عن علي، قال المنذري: وقد حسن بعض مشايخنا حديث علي هذا.

(د) وحديث «ما أنفقت الورق في شيء أحب إلى الله من نحر ينحر في يوم عيد» رواه الطبراني في الكبير والأصبهاني من حديث ابن عباس.

(هـ) وحديث «عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» قال ابن حجر: لم أره معزوًّا إلى أحد، وقال ابن الصلاح: هذا حديث غير ثابت ولا معروف، وذكر ابن العربي، شارح الترمذي مثل ذلك.

([35])   سورة البقرة: 196.

([36])   سورة البقرة: 196.

([37])   أخرجه أحمد من حديث أبي رافع.

([38])   المقال الذي في شريك بن عبد الله القاضي هو أنه يخطئ كثيرًا وقد تغير حفظه بعدما ولي القضاء بالكوفة قاله في تقريب التهذيب وقال في علوم الحديث: تفرد بهذا الحديث أهل الكوفة. وفي إسناده حنش بن ربيعة، وهو مختلف فيه، وقال ابن القطان: شيخ شريك في هذا الحديث أبو الحسناء، وهو لا يعرف حاله. قاله في التلخيص.

([39])   سورة التوبة: 128.

([40])   سورة الأحزاب: 6.

([41])   أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد من حديث جابر.

([42])   أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي هريرة.

([43])   غنية الألمعي بما فات الزيلعي لمؤلفها زين الدين قاسم بن قطلوبغا، المتوفى في القرن التاسع في ربيع الثاني عام 879هـ، ذكره في مقدمة التحفة.

([44])   صاحب تحفة الأحوذي هو الفقيه الكبير والمحدث الشهير أبو العلي محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، المتوفى عام 1353، والتحفة: ما أتحف به الشخص من البر واللطف، وجمعه: تحف، واسم الأحوذي قد أخذه من شرح ابن العربي على الترمذي، حيث سماه مؤلفه عارضة الأحوذي على الترمذي، والعارضة: القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة، إذا كان ذا قدرة على الكلام والأحوذي قال الأصمعي: هو المشمر للأمور القاهر لها، لا يشذ عليه منها شيء، نقله عنه ابن خلكان.

([45])   سورة الحج: 36.

([46])   سورة النساء: 6.

([47])   أخرجه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب.

([48])   أخرجه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب.

([49])   أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة.

([50])   أخرجه أبو داود والنسائي من حديث سمرة بن جندب.

([51])   قال في تحفة المودود (ص35): العقيقة سنة ونسيكة مشروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين بهبة الولد، فكان ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، كالهدايا والأضاحي، فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية. قال: وفي العقيقة سر بديع وهو أن يفدى المولود عند ولادته بذبح يذبح عنه، ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من الشيطان بعد ولادته ولهذا قل من يترك أبواه العقيقة عنه إلا وهو في تخبيط من الشيطان، قال: ومن فوائدها أنها قربان يقرب به إلى الله عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا، وغير مستبعد في حكمة الله وفي شرعه وقدره أن تكون سببًا لحسن إنبات الولد ودوام سلامته وطول حياته.

([52])   سورة البقرة: 182.

([53])   ذكره البيهقي تعليقًا في معرفة السنن والآثار من قول الشافعي.

([54])   أخرجه البخاري من حديث أنس.

([55])   أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر.

([56])   أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو.

([57])   متفق عليه من حديث أبي هريرة.

([58])   سورة الصافات: 107.

([59])   أخرجه ابن ماجه من حديث زيد بن أرقم.

([60])   سورة الحج: 36.

([61])   سورة آل عمران: 92.

([62])   سورة غافر: 17.

([63])   سورة الزمر: 70.

([64])   سورة الكهف: 49.

([65])   سورة الأنعام: 164.

([66])   سورة البقرة: 286.

([67])   سورة النجم: 36-41.

([68])   سورة الزلزلة: 6-8.

([69])   سورة الأنعام: 160.

([70])   سورة القصص: 84.

([71])   أخرجه مسلم من حديث أبي ذر.

([72])   سورة لقمان: 33.

([73])   سورة البقرة: 281.

([74])   متفق عليه من حديث أبي هريرة.

([75])   إنا لا نسلم لصحة ما يدعيه من عدم الخلاف في أداء الواجبات التي تدخلها النيابة، بل إن فيها الخلاف الكبير، أما الحج فإن الظاهر من مذهب الإمام أحمد والشافعي، فيمن مات قبل أن يحج، فإنه يجب أن يخـرج من تركتـه ما يحج به عنه، أشبه دين الآدمـي، وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى أنه يسقط بالموت، وإن أوصى به فمن الثلث، وأما الصوم فظاهر مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يصام عن الميت مطلقًا، وخص الإمام أحمد جواز قضاء الولي للصوم الواجب بالنذر دون الواجب بالشرع، أما الواجب بالشرع، فإن فيه الإطعام عن كل يوم مسكينًا ولا يصام عنه في قول أكثر أهل العلم وهو ظاهر المذهب، قاله في المغني، أما إذا مات المريض في إثر مرضه أو مات المسافر في سفره، أو ماتت الحائض أو النفساء قبل أن يتمكن أحد هؤلاء من قضاء ما عليه، فإنه لا يجب الإطعام ولا الصيام لكونه معذورًا شرعًا.

([76])   سورة غافر: 60.

([77])   سورة الزلزلة: 6-8.

([78])   متفق عليه من حديث ابن عباس.

([79])   أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة.

([80])   سورة الطور: 21.

([81])   أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة.

([82])   أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو.

([83])   سورة النجم:39.

([84])   ممن حكى الإجماع: النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن العربي.

([85])   متفق عليه من حديث عائشة.

([86])   من المجلد الثالث من فتاوى رسول الله، وذكره بأبسط من هذا في تهذيب السنن (ج 3- ص279).

([87])   راجع كتاب المغني طبعة المنار، تجد في حاشيته من آخر كتاب الجنائز رد القول بدعوى الإجماع في إهداء ثواب القراءة، وقال: إن دعوى الإجماع باطلة لم يعبأ بها أحد قطعًا حتى إن المحقق ابن القيم الذي جاراه في أصل المسألة قد صرح بما هو في نص بطلانها، كما ورد أيضًا القول بجواز القراءة على القبور، وتكلم صاحب المنار على الأحاديث والآثار التي ساقها الموفق وبين حقيقة ضعفها وكونها موضوعة لا يحتج به.

([88])   سورة النجم: 38-39.

([89])   أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة.

([90])   سورة يس: 12.

([91])   أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله.

([92])   سورة الأنعام: 164.

([93])   سورة النجم: 36-41.

([94])    رواه مسلم بنحوه من حديث جرير بن عبد الله.

([95])   المجلد الثامن- ص246.

([96])   سورة البقرة: 123.

([97])   سورة لقمان: 33.

([98])   أخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن عباس.

([99])   سورة الطور: 21.

هذا حديث رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله – عز وجل- ليرفع ذرية المؤمن معه درجة في الجنة وإن كان لم يبلغها بعمله لتقرّ بهم عينه»، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}. قال أبو جعفر: وصار الحديث مرفوعًا إلى النبي، ويجب أن يكون. انتهى من تفسير القرطبي.

([100])       سورة البقرة: 272.

([101])       سورة يس: 54.

([102])       سورة غافر: 17.

([103])       سورة النجم: 38.

([104])       سورة المدثر: 38.

([105])       سورة النجم: 39.

([106])       سورة النجم: 40.

([107])       سورة النبأ: 40.

([108])       سورة آل عمران: 30.

([109])       سورة الزلزلة: 6-8.

([110])       سورة النجم: 41.

([111])       سورة الأنعام: 160.

([112])       سورة إبراهيم: 18.

([113])       سورة الأعلى: 14-19.

([114])       سورة غافر: 17.

([115])       سورة آل عمران: 25.

([116])       سورة الزمر: 70.

([117])       سورة الكهف: 49.

([118])       سورة البقرة: 281.

([119])       سورة يس: 53-54.

([120])       سورة النجم: 39.

([121])       سورة يس: 54.

([122])       سورة النازعات: 35-36.

([123])       سورة مريم: 64.

([124])       سورة الانفطار 13-14.

([125])       سورة البقرة: 177.

([126])       أخرجه البخاري من حديث أنس.

([127])       متفق عليه من حديث أبي هريرة.

([128])       سورة البقرة: 182.

أضف تعليق